انتيكا // الجزء الاول

الـمشهد الأول 


المنـظر
: بهو منزل الحاج جابر المنياوي – مساعد سابق بالشرطة – والمنزل بمنطقة مطار امبابة وهو عبارة عن مساحة واسعة من الأرض تحوطها أسوار مبنية بالطوب الأحمر بغير اهتمام والسقف عبارة عن ألواح من الخشب عليها قطع من " الصاج " والأرضية عبارة عن أرض المكان الطبيعية فقط بعض الحصر تغطيها ، والأثاث عبارة عن كنبة عربي بها مجموعة من " الشلت " التي تستخدم في بعض الأحيان كمقاعد فوق الأرض ويوجد في أحد الأركان زير يستخدم لشرب الماء و يقابله في الركن الآخر تلفاز موديل السبعينات هو أقرب إلي الموت السريري منه إلي إظهار صورة رغم وضوح صوته .

( يضاء المسرح وسعاد – فتاة في التاسعة والعشرين من عمرها ، جامعية – تبذل مجهودا خرافيا لإظهار أية صورة من خلال التلفاز وتبدوا في غاية التوتر وتتابعها أختها علا – وهي جامعية أيضا في الخامسة والعشرين - 


علا

: متحاوليش .. عمره ما ها يجيب صورة تاني .
سعاد
: خليكي في حالك .
( تستمر في محاولاتها بمفك كهربائي )
علا
: أنا صعبان علي تعبك .. الجهاز ده خارج إطار هندسة الإلكترونيات إلي انت درستيها في الكلية .. صحيح انت عملتي معاه مجهود خرافي علشان يفضل عايش السنين اللي فاتت دي كلها .. لكن المسألة في النهاية مسألة أعمار . 
سعاد
: موش انت السبب .. موش انت اللي حوجتيني له . 
علا
: أنا قلت لك يا سعاد إني خلاص .. معنديش استعداد أعمل الموضوع ده تاني .. أنا بصراحة كرهت روحي بسببه . 
سعاد
: انت كرهتي روحك أنا ذنبي إيه ؟ إحنا موش متفقين يا علا إن كل واحدة مننا حرة في تصرفاتها .
علا
: كلامك صح لكن .... أنا كنت منفعلة ساعتها و مقدرتش أسيطر علي أعصابي .
سعاد
: تقومي تقطعي خمس صور لسلفستر ستالوني و توم كروز وآل باتشينو ورشدي أباظة وسمير غانم .
علا
: حسيت إنهم خونه .. اديناهم كل حاجة .. اديناهم أعز ما نملك .. وفي الآخر أتخلو عننا .
سعاد
: يظهر إنك كنت مندمجة علي الآخر .
علا
: يمكن .. بس أنا ذنبي إيه ؟ من ساعة ما دخلت عليكي من خمس سنين وشفتك و اتعلمت منك الحكاية دي وأنا عايشه مع الصور دي خمسة وعشرين يوم في الشهر .. كان لازم أصدق إني عايشه معاهم بجد .
سعاد
: أمال لو مكنتيش دارسة علم نفس كنت عملتي إيه ؟ يا علا كان لازم تفصلي بين الصور دي كوسيلة إحنا استخدمناها علشان نتحايل بيها علي ظروفنا المهببة .. و بين الممثلين أصحاب الصور .
علا
: أنا حاولت أعمل ده .
سعاد
: يا علا أنا فاكره انك كنتي موش علي بعضك لما اتعرضت مسرحية أخويا هايص وأنا لايص العيد اللي فات .
علا
: م أنا كنت غيرانة علي سمير من دلال عبد العزيز .
سعاد
: ولما اتعرض فيلم روكي بتاع سلفستر ، فاكره عملتي إيه ؟
علا
: آه ، حطيت فردتين سلك في فيشة المطبخ علشان أعمل قفله وأقطع النور .
سعاد
: طيب بالزمه ده كلام ناس عاقلين .
علا
: م أنا برده مقدرتش أشوف أدريان أمو نضارة المسلوعه و هيه بتبوسه ؟ بصراحة .. أنا نفسي أجرب الحقيقة ولو مره واحدة بس .. وموش ضروري الحقيقة كلها .. نفسي ولو أجرب بوسه .
سعاد
: أنا بقي غيرك .. أنا عارفة بالظبط بعمل إيه .. بمنع جسمي إنه يدفعني لغلطة ممكن تخلي بابا يقتلني ويدفني هنا في أرضية البيت زي ريا وسكينة .
علا
: انت لسه مصدقة الجملة دي .. يا عبيطة دي جملة كان بيخوفنا بيها و إحنا صغيرين .
سعاد
: يعني تفتكري لو واحدة مننا غلطت .. ممكن السيد الوالد .. مساعد الشرطة السابق اللي كان مخوف الحارة كلها وراعبها .. ممكن يسامحها .

( يدخل عصام - وهو شاب في الثلاثين من عمرة يرتدي نضارة طبية ، أبيض طويل ، ملامحه هادئة وكذلك نبرة صوته رغم كثرة تلعثمه في الكلام – و بمجرد دخوله تهرع إليه الفتاتين )
سعاد
: هيه يا عصام طمنا .. عملت إيه ؟
علا
: قدمت ورقك في السفارة .
عصام
: لأ .
سعاد
: ليه ؟ لقيتها زحمة ؟
علا
: أكيد .. ما أنت عارفة أخوكي .. ما بيطيقش الزحمة .. بيتخنق منها .. تقوليش تربية الزمالك .. أنا نفسي أعرف انت ازاي مولود ومتربي في مطار امبابة ؟ 
سعاد
: ( بحده ) ده استهبال .. الموضوع ده مفهوش هزار .. انت عارف إن أملنا كلنا فيك إنك تسافر وتبعت تخدنا معاك .. كان لازم تستحمل شويه يا أخي حتى علشان خاطرنا . 
عصام
: يا سعاد أنا ما وصلتش السفارة علشان أعرف إذا كانت زحمة وللا لأ .. أنا رجعت من نص السكة .
علا
: خفت من الغربة يا عصام .
عصام
: لأ .. خفت أدخل علي السفير بفردة جزمه واحدة .

( يرفع إحدى قدميه فتظهر فردة حذاؤه اليمني وقد تمزقت تماما فظهرت أصابع قدمه ) 
علا
:انت برده خدتها مشي . 
عصام
: طب أنا أعمل إيه ؟
سعاد
: تركب أتوبيس طبعا .. اسمع يا عصام .. إحنا مقصرناش في حقك .. إحنا إديناك جنية تركب بيه .. انت اللي بتكره الأتوبيسات علشان ما بتستحملش زحمتها .
علا
: يا أخي إحنا بنات وكنا بنروح الجامعة بالأتوبيس و بنرجع بالأتوبيس .. وكنا بنبقي مبسوطين علي الآخر .. ده ركوب الأتوبيس ده متعة . 
عصام
: يعني تفتكروا إني لو كنت ركبت أتوبيس كنت أنقذت الجزمه .. كانت برده ها تتقطع عند أول واحد يدوس علي رجلي .
سعاد
: بس ساعتها كنا ها نقول إنك عملت اللي عليك .. هات الجنية.
عصام
: ( يخرج الجنية ) اتفضلي .
سعاد
: ( تأخذ الجنية وتتجه صوب حجرتها ) هات .
علا
: بقولك إيه يا سعاد .. الصورة اللي علي الجنية ما تنفعكيش .
سعاد
: ملكيش دعوة .. أنا حرة .
علا
: طب خلي بالك إننا لسه ما حضرناش الغدا وبابا قرب يرجع من القهوة .

( تتجاهلها سعاد وتخرج )
عصام
: إيه حكاية الصورة اللي علي الجنية ؟
علا
: ( متجاهلة سؤاله ) قولي يا عصام .. انت ناوي تعمل إيه دلوقتي ؟ ده إحنا مصدقنا لقينا إعلان يطلب مؤهلك .
عصام
: شوفي يا علا .. اللي بيحصل معايا ده تمن ولازم أدفعه .. عقاب من ربنا ولازم أصبر عليه لان العقاب بيبتدي بأجل و بينتهي بأجل .
علا
: بيتهيألي يا عصام إنك ما عملتش حاجة تستاهل عليها ده .. ده أنت حتى غلبان وطيب وطول عمرك راضي بقليلك .
عصام
 أنا يا علا مسمعتش كلام أبويا ودخلت كلية العلوم بدل ما أدخل كلية التربية .. ضحكت علية واستغليت جهلة .. فهمته إني هادخل قسم جيولوجيا وأتخرج زي العالم فاروق الباز .. 
علا
: كان حلمك تركب مكوك فضاء وتطير لحد القمر .
عصام
: لو كنت دخلت تربية كان زمني اتعينت مدرس .. وجواب التعيين جالي لغاية عندي من غير ما أتبهدل في أتوبيسات . 
علا
: كنت بتطلع علي السطح بالليل وتقعد تتابع النجوم .. كان بيتهيألي إنك بتعدهم .
عصام
: و كان زماني بقيت دلوقتي غول دروس خصوصية .
علا
: أنا كمان حبيت السما من كتر حبك فيها .. فاكر الليلة اللي قعدنا فيها نتفرج علي الشهب اللي كانت عاملة زي الصواريخ اللي بتنضرب في رأس السنة .
عصام
: الشهب دي بترجم الشياطين اللي بيتجسسوا علي أهل السما .. وإنشاء الله الشيطان اللي خلال ما أسمعش كلام بابا ها يجيله شهاب وزنه عشرة طن لانه سبب كل اللي بيحصل لنا .
علا
: عصام .. تسمع كلمة  من أختك الصغيرة .
عصام
: اتفضلي يا علا .
علا
: انت ماكنتش تنفع مدرس .. كنت ها تحتاج لهارون جنبك علشان توصل المعلومة .. و يمكن أحسن حاجة عملتها إنك دخلت علوم جيولوجيا .. علشان بتحبها .. والدليل إنك خلصت الأربع سنين بتفوق .. ولولا حظك إن ابن رئيس القسم كان دفعتك .. كان زمانك دلوقتي معيد .
عصام
: مهو حسب نظريتك أنا برده ما كنتش هانفع معيد .

( يدخل جابر الأب من باب الشقة ويبدوا مهموما والأب رغم تأثير الزمن إلا أنه مازال منتصب القامة ضخم الجثة )
الأب
: سلامو عليكوا .
علا
: عليكم السلام .. ( تنادي ) بابا جه يا سعاد .. ثواني يا بابا و ها نحضر الأكل .
الأب
: أنا مليش نفس آكل .
عصام
: سامحني يا بابا .. أنا كان نفسي ....
علا
: انت قولت له .
الأب
: عصام عدي علي في القهوة و وراني الجزمه .

( سعاد تخرج من حجرتها ويبدوا عليها الإرهاق )
سعاد
: إزيك يا بابا .. نص ساعة ويكون الغدا جاهز .

( تهم بالذهاب إلي المطبخ )
الأب
: ( بحده ) أنا قلت مليش نفس .
سعاد
: خلاص يا بابا أنا ما سمعتكش .. وعلي أي حال أنا آسفة .
الأب
: أنا عاوز أتكلم معاكم أنتو التلاته .. انتو كبرتم و اتعلمتم .. وكل واحد فيكم خد شهادة ياما حلمت بربعها .. وإذا كانت الدنيا حرماني من إني أدوق خيركم .. فدي ظروف بلد وعلي الكل .. أنا بقعد علي القهوة وبتابع كلام الناس وعارف الأحوال ماشية إزاي .
عصام
: يا بابا إحنا .....
الأب
: أنا عارف .. وما بحملكوش فوق طاقيتكم .. صحيح أنا لما علمتكم ودخلتكم جامعة حلمت إنكم تعلوا و تعلوني معاكم .. لكن دلوقتي خلاص .. الحلم راح .. خسرناه .. وفضل الواقع اللي إحنا عايشين فيه وموش لازم نخسر منه أي حاجة .. علشان كده أنا عاوز عقولكم اللي اتعلمت و أتنورت تفكر معايا في المصيبة اللي حصلت .  
سعاد
: مصيبة إيه يا بابا كفا الله الشر ؟ 
الأب
: البيت اللي إحنا عايشين فيه ده ها يروح مننا .
عصام
: ازاي يروح مننا ؟ إحنا موش معانا عقد إيجار من المرحوم عمك .. الله يرحمه . 
الأب
: معانا عقد إيجار .. و الإيجار قليل كمان .. عشرة جنية في الشهر . 
علا
: طيب إيه المشكلة ؟
الأب
: المشكلة إني بقالي عشر سنين ما بدفعش الإيجار .
سعاد
: يعني هما ولاد عمك اللي عندهم فلوس قد كده علي قلوبهم مستنيين مننا 10 جنية كل شهر .. دول عندهم مليارات .. ده أنا بسمع إنهم مشغلين نص بنوك سويسرا .. غير مشاريعهم اللي هنا .  
الأب
: هما عاوزين الأرضية علشان يبنوا عليها مشروع جديد كبير كانوا بيكلموا الناس عنه أيام الانتخابات اللي فاتت .. و أنتو عارفين إن البيت ده مبني علي مساحة كبيرة .. و دلوقتي بيهددوني برفع قضية طرد من البيت .. وطبعا ها يكسبوها علشان أنا ممعاييش وصولات تثبت إني كنت منتظم في دفع الإيجار . 
عصام
: طيب انت ليه يا بابا ما كنتش بتدفع لهم الإيجار مادام كان مبلغ صغير . 
الأب
: علشان أنا من عشر سنين سبت الخدمة في الداخلية و اتحالت معاش مبكر .. وطبعا مرتبي قل كتير .. وكان كل شهر بيطلعلي ملزمة انت محتاجلها .. أو مذكرة طالباها واحدة من أخواتك .. أو قميص أو جزمه زي اللي انت قطعتها .
عصام
: يعني تعليمنا هوه السبب .
الأب
: عمر تعليمكم ما كان السبب .. دي أحسن حاجة عملتها .
علا
: طيب يا بابا من خبرتك .. هما لو رفعوا قضية أكيد ها يكسبوها .
الأب
: ها يكسبوها ميه الميه .. حتى لو لقيت اللي يسلفني فلوس أقوم بيها محامي .
عصام
طب هما كانوا صابرين علينا ليه طول المدة اللي فاتت دي  ؟
الأب
: أكيد كان عندهم أمل إن حيطان البيت التعبانه تتهد من مطر أو من حفر يكون علي يمينها أو شمالها .. ويبقي الموضوع قضاء وقدر .. و محدش في العيله أو في الدايرة اللي بيرشحوا نفسهم فيها  يلومهم علي لحمهم اللي رموه في الشارع .. و لما لقوا المسألة طولت .. وبقى عندهم سبب قانوني يطردوني بيه .. جولي النهاردة علي القهوة .. وعرضوا علي 10000 جنية وأخرج بالزوق من غير شوشرة .
سعاد
: وعشر تلاف جنية يعملولنا إيه ؟
علا
: المبلغ ده ما يكفيش مقدم أوده وصالة فوق سطوح .
سعاد
: و حتى لو كفى المقدم .. ها ندفع الإيجار منين .
علا
: أقل حاجة ها يطلع الإيجار 150 جنية  يعني نص معاش بابا . 
سعاد
: ليه يا رب بيحصل لنا كل ده ؟ .. واشمعنا إحنا ؟ 
الأب
: ما تكفريش يا بنتي .. ربك عادل .. و ده الموضوع التاني اللي أنا عاوز أكلمكم فيه .. يمكن لو صارحتكم ربنا يغفر لي و يسامحني و يسيب لنا البيت اللي متاوينا .. يمكن لو اعترفت لكم ضميري يرتاح وأخلص من الندم اللي ممرر حياتي .
علا
: ندم !! انت عملت إيه يا بابا ؟
سعاد
: ( تقطع الأب الذي يهم بالكلام ) متتكلمش ، أنا دلوقتي فهمت كل حاجة ، البابور اللي انفجر في وش أمي وإحنا في المدرسة ، صح .. كانت حادثة مدبرة و انت اللي دبرتها .. ( تبكي ) يا حبيبتي يا ماما .. يا حبيبتي يا ماما .
الأب
: الله يسامحك يا سعاد يا بنتي .. ده المرحومة كانت هيه البركة اللي عايش بيها .. ده لو كان بايدي كنت مت بدالها وسبتها تصرف عليكم من المعاش و الفراخ اللي كانت بتربيها ومليا علينا البيت .
علا
: ( التي تبدأ في النهنهة ) أنا دلوقتي عرفت الحقيقة .. انت ظلمتني أنا لوحدي يا بابا .. أكيد جالي عريس و طلبني منك علي القهوة و انت رفضت بحجة إن أختي الكبيرة لسه متجوزتش .. لكن يا بابا العريس ده ما كانش ها يكلفك ولا مليم .. لإنه بيحبني ومستعد يضحي بأي حاجة علشان يتجوزني .. لكن كبرياءك وسط الحته هوه اللي خلاك توزعه من بره بره .. من غير حتى ما تديني فرصة إني أشوفه وأتحسر عليه بقيت عمري . 
الأب
: أنا يا بنتي تظني في الظن ده .. طب ده يوم المني إن يجيلك أو ييجي لأختك عريس انشالله تدخلوا في عشه فراخ و تتفرش  لكم أقراص جله .. علي الأقل لو كنتوا اتجوزتوا ما كنش بقي فيه مشكلة دلوقتي .. أنا وأخوكم عصام رجالة و ممكن نتتاوى انشالله في خرابه .. لكن انتم يا بنتي عرض محتاج أربع حيطان تلمه .
سعاد
: يعني تحلف يا بابا إن مفيش عرسان تقدمت لنا لغاية دلوقتي .
الأب
: أحلف يا بنتي .. ده أنا بتمني اليوم ده قد ما بتتمنوه و يمكن أكتر .. أنا ضميري تعبان لسبب تاني خالص .
عصام
: لو سمحت يا بابا أنا عارف السبب ؟ انت مغلطش في حق حد غيري أنا .. بس أنا مسامحك و عاوزك انت كمان تسامحني إني ما دخلتش كلية التربية .
الأب
: طب موش أعرف الأول أنا غلطت في حقك أمتي و في إيه ؟
عصام
: غلط في حقي لما خلفتني .. وزي ما قال المعري .. هذا جناه علي أبي وما جنيت علي أحد .
سعاد
: يا سلام .. طب ما هو خلفنا إحنا كمان .
عصام
: انتو بنات .. لآخر لحظة ها تفضلوا تحلموا بالفارس اللي ها ييجي يغير حياتكم .. لكن أنا ولد .. يعني الفارس .. وعلشان أحلم لازم يكون عندي سيف و حصان .. لكن حالي زي ما أنتو عارفين .. ده أنا حتى معنديش جزمه .
الأب
: يا ولاد عمر الغلطة ما تكون في الخلفة أو في التعليم .. دي حاجات بتتمناها أي بلد عاوزة تفضل شابه .. أنا فاكر جملة للريس عبد الناصر سمعتها في خطاب ليه وأنا صغير ، كان بيقول : إن الجامعات ليست أبراجا عاجية .. بل هي طليعة المجتمع نحو النهضة والازدهار .
سعاد
: وأنت صدقت الكلام ده يا حاج .
الأب
: صدقت والبلد كلها صدقت .. و لما قال كمان إن الجماعات اللي ليها دقون عاوزة تخرب البلد كبرت في راسي إني أشتغل في الداخلية .. و ياما كتبت تقارير ودت شباب ورا الشمس بكل زمة وضمير وشرف .. في عهده الله يرحمه وفي العهد اللي بعده .. كنت بقعد علي القهوة أربعة وعشرين ساعة في اليوم أسمع كلام الناس .. وأفهمه .. والكلمة اللي تقلقني أشك صاحبها تقرير .. ورغم إني ما وصلتش إلا لسنة رابعة ابتدائي  لكن كان خطي سلاسل دهب .. وكانوا الظباط بيحبوا تقاريري جدا .. كانت بتريح نظرهم .
عصام
: طيب إيه اللي تاعب ضميرك مدام كل اللي كنت بتبعتهم ورا الشمس كانوا يستاهلوا .. وما دمت كنت بتريح نظر الظباط .
الأب
: طبعا كل اللي كنت ببعتهم كانوا يستاهلوا .. وبعدين البلد كانت في حالة حرب .. يعني موش مستحمله قلق من الداخل .. و بعدين أنا ماكنش عندي خيار وللا فاقوس .. طب تصدقوا يا ولاد .. أنا مرة كنت ها كتب تقرير في عمي اللي أجر لي البيت الواسع ده بسبب كلمة قالها علي القوانين الاشتراكية اللي عبد الناصر كان بيطبقها علي الناس كلها .. من غير خيار وللا فاقوس . 
عصام
: الكلام ده قبل ما يأجر لك البيت يا بابا وللا بعد ما أجرهولك .
الأب
: قبل ما يأجرهولي طبعا .. ( يتذكر بفخر ) كنا قاعدين في عزا جدتي أم أبويا .. والكلام جاب بعضة بين المعزين .. وعمي ده كان من يومه غاوي تجارة .. و قدر يعمل فلوس بني بيها مصنع ملابس في المحلة .. وكان خايف موت يتأمم منه .. و لما جت سيرة التأميم في القعدة ، قال ربنا يستر .
سعاد
: قال ربنا يستر !! 
الأب
: شوفي الغلطة .. شوفي ضمير الناس .
سعاد
: طب وبعدين يا بابا عملت إيه ؟
الأب
: عملت نفسي ما سمعتش الكلمة اللي قالها .. ورجعت شقتنا القديمة وطلعت الورق والقلم العهدة وبدأت أكتب التقرير .. و لسه بقول بسم الله الرحمن الرحيم .. لقيت الباب بيخبط .. فتحت الباب لقيت عمي في وشي .. و بيعرض علي يبنيلي الشقة دي في أرض مطار امبابة .. و لعلمكم الأرض دي قبل ما تتبني  كانت خرابة لمدة 50سنة .. والناس كانوا لامؤاخذة بيقضوا حاجتهم فيها .. يعني هوه ما جاش يبقشش علي .. والعشرة جنية زمان كانت قطمة وسط .. بس عمي حب  إني أسكن زيه في بيت واسع علشان يبقي بينا اشتراكية . 
سعاد
: و بعدين .
الأب
: قطعت الورقة العهدة و روحت اشتريت ورقة مكانها .. و فهمت إن عمي اشتراكي وإن الكلمة اللي قالها دي كان قصده بيها حاجة تانية .
عصام
: حاجة زي إيه ؟!! 
الأب
: ربنا يستر علي الثورة من أعدائها .. ربنا يستر علي الريس من غدر الصهاينة .. ربنا يستر وصاحب الفراشة بتاعة عزا جدتي ما يطلبش فلوس كتير .. أي ستر وخلاص .. ما الستر مطلوب برده .
سعاد
: يعني يا بابا نقد نقول انك زمان جاملت عمك وأحسنت إليه  واشتريت علي حسابك ورقة بدل العهدة اللي اتقطعت .. و ولاده دلوقتي رغم ملياراتهم عاوزين يطردونا من البيت اللي ساترنا بعد ما يرمولنا عشر تلاف جنية .
الأب
: علشان تعرفي إن أبوكي في الأصل خيره علي الكل .. لكن هوه ده حال الدنيا . 
سعاد
: طبعا يا بابا .. لكن إحنا برده ما عرفناش ضميرك تاعبك من إيه ؟
الأب
: ما أنا جايلكم في الكلام .. انتو طبعا سمعتوا عن حاجة اسمها أحداث يناير سنة 77 .. اللي سماها الريس السادات انتفاضة الحرامية .
عصام
: طبعا يا بابا .. دي اللي خرجت المرحوم أحمد زكي من الخدمة في فيلم زوجة رجل مهم .
الأب
: أهو اللي حصل لأحمد باشا زكي الله يرحمه .. حصل لي .
علا
: بس انت ما خرجتش من الخدمة سنة 77 .. انت خرجت يا دوب من عشر سنين .
الأب
: أنا خرجت من الخدمة في أمن الدولة .. و اتنقلت المباحث .
علا
: طب و هيه دي تفرق ؟
الأب
: طبعا تفرق .. أمن الدولة جهاز حساس .. يعني مكافآته و بدلاته أكبر وأكتر .. ده أنا كنت بآخد فلوس  علي كل تقرير بكتبة .
عصام
: أكيد .. مادام خط حضرتك كان سلاسل .. سلاسل دهب .
الأب
: و ياريتني اتنقلت المباحث والحال في البلد فضل زي ما كان .. لكن الريس السادات .. عمل ... عمل .... ( يشعر بالخوف )
علا
: عمل إيه يا بابا ؟
الأب
: عمل .... ( يلتفت حوله )
سعاد
: مالك يا بابا .
الأب
: شوف كده يا عصام حد واقف يتصنت ورا الباب أو الشبابيك .
عصام
: ( بعد جولة سريعة يطمئن خلالها أن أحدا لا يسترق السمع ) Clear dad .
الأب
: ( هامسا ) عمل انفتاح .. ( يتحول إلي طريقة خطابية بصوت مرتفع وأداء سريع ) وأنا ما بقولش إن دي خطوة غلط .. بالعكس .. ده تحول إيجابي في مسار الثورة الاقتصادي .. ولولا الانفتاح اللي الله يرحمه عملة بذكاؤه وحنكته .. كان حصل لنا اللي حصل لروسيا .. شوفوا روسيا حصل فيها إيه ؟ شوفوا الروس اتبهدلوا قد إيه ؟ قرب قرب .. أجمل روسية بقت بخمسين دولار .. والمافيا الروسية بقت أخطر من المافيا الإيطالية .. والفيتو الروسي بقي بربع جنية .. واللي ما يشتري يتفرج وقرب قرب . 
سعاد
: بابا .. انت جرالك إيه ؟
الأب
: ( الذي تتلاحق أنفاسه ) محدش يقول إن الانفتاح غلط .. و محدش يقول إن الاشتراكية غلط .. محدش يغلط في قرار الحرب .. محدش يتمألز علي قرار السلام .
علا
: محدش قال كده يا بابا .
الأب
: ( كدرويش ) محدش ينكر دور القطاع الخاص .. محدش ينكر بركاته .. مدد يا سوق يا حر مدد . 
سعاد
: بس إحنا ينولنا حاجة من بركاته .
الأب
: ( بشبه هستيريا ) و أوعوا كمان تغلطوا في ولاد عمي .. دول مستثمرين .. دول رجال أعمال الله الصالحين .
عصام
: يا بابا إحنا ما تكلمناش .. حضرتك اللي بتتكلم وإحنا بنسمع .
الأب
: طب أنا وصلت لفين .
عصام
: قلت إن الحال اتغير كتير بعد الانفتاح .
الأب
: دي ضريبة الشعب لازم يدفعها .. محدش قال للي زي يتمرغوا في تراب الميري .. ده خطأ استراتيجي ولازم أنا وانتم ندفع تمنه . 
سعاد
: ماشي يا بابا .. بس نفهم إيه اللي حصل بعد قرار الانفتاح .
الأب
: العظيم .
سعاد
: العظيم والتاريخي .
الأب
: ( بسلاسة ) الأسعار ارتفعت شويه ، وراها شويه وبعدين شويه لحد ما بقي المرتب مسخرة بالنسبة لمصاريف البيت .. وأي بيت .. بقي عامل زي النكتة بتاعة الست ماري منيب ( يقلدها ) أنت جايه تشتغلي إيه .. ( يضحكون ) بس بدل ما بتكرر النكتة كل خمس دقايق .. بتتكرر كل شهر .. ( يضحكون ) انت جايه تقبضي إيه ؟ ( يضحكون لحد البكاء )
عصام
: ( وهو يكاد ينفجر من الضحك ) مفروض يا بابا بدل ما تقول سواق .. تقول شحات . ( يضحكون )
الأب
: إيفت .. إفتكرتو .. إفتكرتوا .. ( يتوقف عن الضحك فجأة ) شحات ، هي دي الكلمة اللي كنت بدور عليها .. بعد ما كان لي في الحارة شنه ورنه .. لقيت السباك بقي أحسن مني و العربجي بقي بيكسب عني .. والفران والبقال .. والميكانيكي والسمكري والقهوجي .. والنجار و الأسطرجي .. ده غير الطبقات العليا .
علا
: عارفينهم طبعا .. الجزار والفرارجي .
عصام
: يا بابا الحاجات دي توجع قلبك .. تحرق دمك .. تحرق أعصابك .. لكن ما تتعبش ضميرك .
الأب
: لأ يا عصام ، ما تفهمش أبوك غلط .. أنا عمري يا بني ما بصيت لرزق حد .. ولا حسدت حد أو حقدت علي حد .. ده ربك هوه اللي بيوزع الأرزاق .. و بالعكس .. كل الحته كانت بتحسدني علشان كنت بشتغل في الأمن .. و أنا قلت في عقل بالي لازم أكسب بدراعي زي كل الناس دي ما بتكسب .. ونجحت ساعتها في  ده . 
سعاد
: انت اشتغلت شغلانه تانية يا بابا ؟ ! .. كان ليك  يعني مصدر دخل تاني ؟ 
الأب
: طبعا .. أخدت رشاوى .
عصام
: ( بتأثير الصدمة ) أنت يا بابا عملت كده ؟! 
علا
: أكلتنا حرام .. أتاريني أنا وأختي ما بنتجوزش .. وبنات في ربع جمالنا اتجوزوا وخلفوا .
عصام
: وأنا اللي كنت فاكر إني علشان ما سمعتش نصيحتك ودخلت كلية التربية بدفع التمن .. و أتاريك ... 
سعاد
: أخرس .. وأنت كمان أخرسي .. أبوكم ده أحسن أب . 
عصام
: إزاي يا باشمهندسة .. وهو كبر أجسامنا من حرام .. والحرام ده موش بس راح وراح معاه حقنا في الحياة .. ده كمان خد كمان معاه أمنا .. حرقها .. وبكرة ها يحرقك أنت كمان  و ها يحرقنا كلنا . 
سعاد
: كلمة زيادة و ها ضربك بالقلم علي وشك .. وما تنساش إني أكبر منك .. أبوك ده أحسن أب .. رغم إنه طلع في ظروف متناقضة .. بتتغير من اليمين للشمال بقرارات فردية .. قدر يربينا ويكبرنا ويدينا أحسن شهادات رغم إنه ما تعلمش .. ماخدش بكالوريوس جيولوجيا يا أستاذ عصام أو ليسانس علم نفس يا ست علا . 
الأب
: بس كان خطي سلاسل دهب .
سعاد
: عارفة يا بابا .. انت فاكرني ناسية اسمي ازاي كنت بتكتبه بخط رقعة جميل علي كتبي أول ما أستلمها من المدرسة .
الأب
: صح يا بنتي .. ده حتى شهادات ميلادكم .. كنت بغمز الموظف بتاع مكتب الصحة بسيجارة علشان يخليني أنا اللي أكتبها بخط جميل .. ولو كنت أقدر أكتب لكم شهادات التخرج بتاعتكم كنت كتبتها .. وكنت بحلم أكتب بخط إيدي قسايم جوازكم .. وكل ده علي أمل إنكم تفتكروني بعد ما أموت . ( يكاد يبكي )
سعاد
: ربنا يديك طولت العمر يا بابا .. وأوعي تزعل نفسك .. أنا داخلة أعملك كباية شاي تروق بيها دماغك .. ونقعد نفكر سوا ممكن نعمل إيه في مشكلة البيت .
الأب
: ( مجففا دمعة ) طيب يا بنتي .. ربنا يباركلي فيكي .

( تخرج سعاد باتجاه المطبخ )
علا
: ( بعد لحظة صمت ) يعني انت يا بابا معترف إن الرشوة اللي حضرتك خدتها حرام ؟ وندمان عليها ؟ 
الأب
: ده اللي عرفته يا بني بعد ما طلعت معاش .. أنا كنت بدخل الجوامع وأنا في الخدمة علشان أدقق في وشوش الناس اللي جوه .. لكن بعد ما طلعت معاش بدأت أسمع الخطب .. وعرفت إن الرشوة حرام .. و بعترف بيها دلوقتي قدامكم يمكن ربنا يغفر لي .. و ينقذنا من ورطتنا .
عصام
: والمفروض إننا نعمل إيه بعد ما عرفنا ؟
الأب
: ترفعوا أيديكم معايا للسما وتدعوا ربنا إنه يسامحني .. وبعد ما يسامحني يحل لنا أزمة البيت بمعرفته .. ده ربنا كريم يا ولاد .. و محدش عاقل ييأس من رحمته .. علشان خاطري يا بني .. علشان خاطري .  

( يصطف عصام وعلا مع الأب ويرفعون أيديهم بالدعاء )
عصام وعلا
: يا رب سامح بابا وحل لنا بمعرفتك كل أزماتنا .
سعاد
: ( التي تعود إلي المسرح بعد صرخة ) الحقني يا بابا .. ماسورة الميه انفجرت و الميه غرقت المطبخ .
الأب
: ( وهو يسرع باتجاه المطبخ ثم يعود ) معايا يا ولاد .. حيطان البيت ها تقع .


إظــلام

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الكلاب الايرلندي / الجزء الاول

الكلاب الايرلندي / الجزء الثالث

الكلاب الهندي