مسرحية الراكب
مسرحية
الراكب
تأليف : حسام الغمري
الشخصيات حسب الظهور
1-
الراوي
2-
باهي
3-
د.مصطفى
4-
الراكب
الجزء الأول
وسط موج هادر من الظلام البليغ وخلفية
موسيقية توحي بحدث هام يتحرك الراوي حتى بؤرة من ضوء تشتد تدريجيا حتى يصبح في
منتصفها في مواجهة الجمهور تماما
|
الراوي |
: مساءُ الخير .. يعتقد انسان هذا العصر - وأنتم كذلك
بالطبع - انه اكتشف جميع المناطق في هذا الكون .. ففي الفضاء الرحيب يقول الناس هذا
زحل .. وهذا هو المشترى .. هذا كوكب الزهرة .. هذا نبتون .. وهذا بلوتو .. إلخ
إلخ إلخ .. وبالطبع يتغزل الإنسان دائما ومنذ القدم في جمال القمر .. لا سيما
الشعراء والعشاق ! |
|
|
وعلى الأرض .. يقول الإنسان بكل ثقة وفخر وخيلاء ..
هذه قمة ايفريست في جبال الهيمالايا ولقد امتطاها لأول مرة .. المغامر فلان ..
وهذه الهوة السحيقة في أعماق المحيط الهندي تسمى كذا .. وكان أول من أرسل
الكاميرات لهتك أسرارها .. البحارة أو العالم البحري علان .. وهكذا وهكذا .. حتى
أمسينا نعتقد جميعا أننا سبرنا أغوار كل ما في هذا الكون .. وبالتالي أصبحنا
أمضى عزما وأكثر قدرة في ترويضه و السيطرة عليه (( لحظة صمت يصحبها تحول في موسيقى الخلفية )) |
|
|
ولكن .. عذرا أعزائي الكرام .. دعوني أصارحكم بالحقيقة
التي ربما تكسر غرور انسان هذا العصر .. نحن بعد لم نكتشف كل شيء .. وأستطيع بكل
ثقة أن أؤكد لكم .. أن المنطقة الأهم والأخطر .. والأكثر تـأثيرا في هذا الكون
.. مازالت سرا .. مازالت لغزا .. مازالت مُلهمة للمفكرين والشعراء والكتاب والمسرحيين
.. أعظم التليسكوبات على ظهر هذا الكوكب لا تستطيع مجرد التطلع إلى تلك المنطقة
السحرية التي أحدثكم عنها .. حتى أدق المناظير الطبية .. لا تستطيع الغوص إليها
.. هي لغز الألغاز .. وقدس الأقداس غير المكتشف (( مشيرا إلى أحد الحضور في صالة العرض )) ولكن ... لا تبتئس يا عزيزي .. ( لآخر ) لا تبتئس أنت
أيضا فهناك دائما أمل (( يلتفت يمينا ويسارا وبنبرة هامسة )) فبعض الفنانين مازالوا يبحثون عن سر هذه المنطقة .. ويسعون
لرصدها وتحليلها وإطلاق التحذيرات والنصائح بشأنها .. ومن أجل ذلك .. قررنا
انتاج هذا العرض المسرحي .. بل دعوني أقول .. هذه اللعبة المسرحية .. وسنحكي لكم
فيها حكاية قديمة جديدة .. أو جديدة قديمة لا يوجد فرق ، حكاية امرأة جميلة ..
ذات حسب ونسب وماضي عريق ، ذات جمال دائم وسحرٍ رشيق .. لها اسم مجيد .. ولكنها
تحولت بفعل اسباب مختلفة و عوامل كثيرة .. الى مدام باهي |
|
|
(( تظهر باهي في بؤرة ضوء في عمق المسرح وتقف في وضع
ثبات بلا أي تعبيرات )) |
|
|
وكأي امرأة لها هذا الحسن الوضاء .. تقدم لها العديد
من الخطاب .. ( هامسا ) الحق أقول لكم أنها صارت زوجة لأكثر من رجل .. ويبدو أن
ذويها كانوا يتساهلون بعض الشيء كلما دق بابها واحد من الخطاب .. على أية حال ..
هم لا يفضلون الحديث في هذا الأمر ( هامسا ) يشعرون ببعض الحرج .. لذا .. سأحكي
لكم حكايتها الأهم .. مع زوجها .. رقم ... لا يهم الرقم مادامت هي الحكاية الأهم
التي ستكشف لكم عن لغز المنطقة التي فشل الانسان الحديث في الوصول إليها رغم
التكنولوجيا الهائلة التي بات يعيش فيها !! (( وقد اقترب من باهي وتأملها )) |
|
الراوي |
: ( لباهي ) مساء الخير مدام باهي |
|
باهي |
: ( بحيادية ) مساء النور |
|
الراوي |
: ( لباهي ) استدعاء بعض القصص يا سيدتي يؤدي إلى نكأ
الجراح وتجديد الألم .. ولكن ما حيلتنا اذا كنا نسعى لتعميق الدرس وترسيخ
الفائدة .. فهل تتعهدين بمنح الحكاية كل المشاعر الإنسانية اللازمة .. مهما كانت
مرهقة .. أو حتى مؤلمة |
|
باهي |
: ( بحيادية ) نعم .. أتعهد بذلك |
|
الراوي د. مصطفى الراوي |
: هذا رائع ( للجمهور ) تبدأ الحكاية .. بمشاعر قد
تنتاب أي امرأة .. أقصد ( هامسا ) تنتاب جميع الزوجات بين الحين والآخر .. احساس
بالفتور في العلاقة الزوجية .. فالزوج هذه المرة يعمل في السياسة .. كما أنه أيضا
استاذ في القانون (( لحظة صمت وتأمل )) البعض يعتقدون أن القانون هو مطية السياسية .. البعض
الآخر يقسم أن السياسة مطية القانون .. دعوني
اسأل بطل حكايتنا – الزوج – عله يمتلك أجابة (( يظهر دكتور مصطفى وهو رجل في منتصف العمر ملامحه
أقرب إلى الشباب والفتوة )) عزيزي د. مصطفى .. بالصدق الذي تقسم أنه مكون أساسي في
شخصيتك .. ورافد من أهم روافد أدبيات حزبك أجبني .. هل تسخر السياسة لتنفيذ
القانون .. أم يطوع القانون لتحقيق السياسية ؟ : ( بحيادية ) كرجل قانون أقول لك .. أن القانون يجب
أن يكون الخيمة التي تسكن في رحابها الصارمة أمور السياسة .. أما اذا اردت
إجابتي كسياسي .. فسأقول لك .. ان السياسة قارب لا يلغي الأمواج ولكنه يعرف كيف
يتعامل معها وصولا إلى شاطيء الإستقرار : ( لمصطفى ) الحق أقول لك ، أنك في الإجابتين كنت
السياسي لا رجل القانون .. وأرجو ألا تظل هكذا أثناء أحداث الحكاية حتى نتمكن من
اكتشاف البقعة اللغز في هذا العالم (( يتجمد د.مصطفى مكانه بينما يتجه الراوي مباشرة
للجمهور )) بطل حكايتنا لقب في الصحافة بمحامي الضعفاء .. ازدادت
شهرته ، وتعقدت مسؤولياته بتوالي نجاحاته السريعة والمفاجئة .. فبات منشغلا بعض
الشيء عن فهم التغيرات التي تطرأ على حبيبته .. مما دفعها إلى مباغتته بالطلب
الذي يخشى معظم الأزواج لحظة سماعه |
|
|
(( تنحسر الإضاءة عن الراوي ويجتمع الزوجان في بؤرة
ضوء وخلفية الكادر مرآة كبيرة وكأنها إحدى تحف بدايات القرن الماضي )) |
|
باهي |
: حبيبي .. أريد أن أطلب منك شيئا .. ولا أظنك ترفض
تحقيقه من أجلى |
|
د.مصطفى |
( بحكمة مغلفة بالأسى ) وهكذا المصائب دائما تسقط على
الإنسان مثل الشهب بغير إذن أو ميعاد |
|
باهي |
: ماذا تقول ؟ |
|
د.مصطفى |
: ( بنبرة مختلفة ) لا شيء البته يا حبيبتي .. فقط أؤكد
أنني دوما على استعداد لفعل المزيد من أجلك .. ( لنفسه ) وهل ينقصني العقل حتى
أقول غير ذلك .. ( ملتفتا ) ولكن ما هو هذا الشيء الذي تطلبين؟ و لكن رجاء .. تمهلي
قليلا و لا تُلقي به في وجهي دفعة واحدة .. لو تسمحي أن تفعلي ذلك ببعض الرفق ..
نعم بعض الرفق .. أو .. كل الرفق اذا تفضلتي |
|
باهي د.مصطفى باهي د.مصطفى باهي د.مصطفى باهي د.مصطفى باهي |
: ( بهيام ) أريدك : يا مغيث : أن تأخذني : استر يا ستار : في رحلة طويلة إلى مدينة السعادة : ( يرفع يده إلى السماء هامسا ثم يسمع التالي ) ولكني
اسألك اللطف فيه : ( بجدية ) على أن نبدأ في التحرك إليها بسيارتنا
الجميلة بعد غروب الشمس مباشرة .. فنصل لحظة شروق شمس اليوم الجديد : ( برنة شبة بكائية ) أخشى ان نصل حين تطلع الشمس من
مغربها : فنشاهد معا يا حبيبي .. كيف يولد قرص الشمس من رحم
الأمواج الهادرة .. هذا المنظر الخلاب .. سيعيد إلى نفسي صفوها .. وإلى علاقتنا
الدفء المتجدد الذي تحتاجه |
|
د.مصطفى باهي د.مصطفى باهي د.مصطفى |
: ولكن الدفء المتجدد متوفر هنا بما يكفي يا حبيبتي ..
ولا حاجة إلينا لقطع مئات الأميال من أجله .. وأخشى أن المزيد من الدفء في
علاقتنا .. قد يجعلني أحترق : ( بحدة ) ماذا ؟ : ( ملطفا ) شوقا .. بالطبع أحترق شوقا إليك : هذا أفضل : عزيزتي .. نستطيع أن نقضى العطلة الأسبوعية هنا في بيتنا
الودود الهاديء .. نتسامر حينا ، و نسترجع ذكرياتنا الجميلة من ألبوم الصور حينا
آخر .. والأهم ، أن نراجع معا قضية المظلوم التي سأترافع فيها أمام عدالة هذا
العالم الجائرة .. لعلي أنجح في إيقاظ بقعة من الشرف في ضمائر قضاته .. فهذة
العطلة هي فرصتي الأخيرة لمراجعة ملف القضية .. حيث سيكون الحكم في الجلسة
القادمة نهائيا .. والمظلوم تمنى علي أن أنقذه من مصيره المحتوم بعدما تكتلت قوى
الشر ضده بسبب كلمة حق جهر بها في وجه الجبابرة .. وبالكاد اليوم فقط حصلت على
ملف القضية .. كان الملاعين يخفونه عني (( يبرزه في يده )) فساعديني لعلي
أعمل صالحا .. قبل أن يتمكن الجنون أكثر من هذا العالم التعس |
|
باهي د.مصطفى باهي د.مصطفى باهي د.مصطفى باهي د.مصطفى باهي |
: ( بشبه صراخ ) بل الجنون هو أن ترفض طلبي هذا بعد كل
هذه السنين : ( بقلق ) اهدئي : ( بصراخ ) الجنون أن تتجاهل ما أشعر به وما أفتقده
أكثر من هذا : وهل يتجاهل العاقل الرشيد نداء زوجته .. فقط هذه القضية
..... : ( تقاطعه ) لعلك نسيت أنك مدين بكل ما وصلت إليه
لعائلتي : ( محاولا تهدئتها ) لم أنس وأقسم على ذلك : ( المنطلقة كالرمح ) ونحن أصحاب الفضل الحقيقي والوحيد
في كل هذا الذي أصبحت فيه : بل أنتم الهواء العليل الذي أتنفسه .. والماء
السلسبيل الذي أرتويه : اذن اصدع بما تؤمر وتهيأ للرحلة .. وأعلم أني أريد
أن أكسر روتين حياتي الآن ، والآن تعني الآن .. فقد سئمت الإنتظار .. وأكاد
اختنق من كثرة الحجج والأعذار .. ( بوعيد ) أو ... |
|
د.مصطفى |
: ( مستسلما ) لا حاجة لي بأو ... هذه .. (( لحظة تردد فيها تتصارع كل المعاني المتضادة )) سأعد للرحلة على الفور .. كما أمرت .. تماما كما أمرت
.. و ليقضى الله أمرا كان مفعولا |
|
|
(( يظلم المسرح وتعود الإضاءة مركزة على الراوي )) |
|
الراوي |
: لا أحد يستطيع أن يحدد بدقة .. لماذا انصاع هذا
الزوج لأمر زوجته وكيف ضاعت منه السياسة والقانون في لحظة واحدة .. ربما خوفا من
خسارة المألوف .. من تغيير نمط وشكل الحياة كما اعتاد عليها في وجود زوجته .. وكل
تجارب التاريخ أكدت بما لا يدع مجالا للشك .. أن هذا الخوف لا يمنع حدوث التغيير
.. فقط يجعله أكثر قبحا وقسوة .. أكثر هتكا للمألوف الذي يقاتل الإنسان من أجل
الحفاظ عليه .. وياللعجب ، ربما لو استطاع المرء اقتحام خوفه لجاء التغيير أكثر
تعبيرا عن أحلامه .. وهذا ما لم يفعله الزوج الذي ناضل من أجل الحفاظ على ما
ألفه .. ( هامسا ) وأيضا على ما اكتسبه |
|
|
(( تنتقل الإضاءة مع حركة الراوي إلى حيث توجد سيارة مكشوفة أنيقة تتوسط المسرح
يقودها د. مصطفى وتجلس باهي إلى جواره
في رحلة صحراوية إلى مدينة السعادة )) |
|
باهي |
: أسرع قليلا .. أريد أن أصل إلى مدينة السعادة عند
شروق الشمس .. وإياك أن تضيع الفرصة |
|
د.مصطفى |
: أمي قالت لي .. امشى الهوينا .. تصل سريعا |
|
باهي |
: أمك .. ألا فلتعلم أنه لا حاجة لي بنصائح أمك ..
وحسنا فعلت حين ابتعدت عن عالمنا هذا .. فالإنسان ما عاد في حاجة إلى حكمتها
القديمة .. ألا تلاحظ كيف تطورت الدنيا حين تجاهلت أفكارها الــ ...... |
|
د.مصطفى |
: ( مقاطعا بذكورية ) ألا فلتكتم شفتاك ما تريدين
التلفظ به .. و لن أسمح لك مطلقا أن تتحدثي هكذا ثانية عن أمي ، أو عن نصائحها وتعاليمها
.. فان كنت أعترف أني أدين لك ببعض الفضل .. فكل الفضل مدين أنا به لأمي .. لا
أقول فقط أنها هي التي ربتني حتى صرت فتى يافعا .. بل هي التي قامت بحرث هذه الروح
التي تسري في أوصالي .. وغرس بذور العلم والتقوى في وجداني .. وشكلت بأفكارها
المرجعية التي لطالما أضاءت لي سبل الحياة .. وطمست بها منابع الحيرة والتردد والشك
.. وأعادتني بحكمتها في لحظات الجموح .. وحمتني وقومتني كلما أقتربت من السقوط |
|
باهي |
: ( بلهجة آمرة ) توقف |
|
د.مصطفى |
: ماذا حدث ؟ |
|
باهي |
: ( بحدة ) قلت لك توقف .. ألا تسمع |
|
|
(( يسمع صوت مكابح السيارة حتى تتوقف تماما عندها تنزل
باهي وتجلس في المقعد الخلفي وتشير إلى د.مصطفى وبلهجة بها الكثير من الكبر والغرور
)) |
|
|
انطلق الآن إلى مدينة السعادة وإياك ثم إياك أن تفوت
لحظة شروق الشمس |
|
|
(( يسمع صوت محرك السيارة حيث ينطلق بها د. مصطفى بصبر
الزوج الشرقي )) |
|
|
(( تنتقل الإضاءة إلى حيث يظهر الراوي )) |
|
الراوي |
: ( للجمهور ) ربما قال أحدكم في نفسه .. لو كنت مكان هذا الزوج .. لعدت إلى بيتي وأوقفت هذه الرحلة سيئة السمعة .. ولعاقبت هذه
الزوجة المغرورة .. حتى أعود بها إلى مضمار الأدب .. ليس فقط انتصاراً لتعاليم
أمه .. ولكن برغبة غلق بابا مأفونا ينبيء بتشوهات قادمة .. ولكن الزوج بكل أسف
لم يفعل ذلك ، ففقد المبدأ كما ضاعت منه السياسة والقانون في لحظة .. وهكذا واصل
رحلته المفخخة إلى مدينة السعادة .. فكانت المفاجأة |
|
|
(( تنتقل الإضاءة حيث يظهر الراكب فجأة أمام السيارة
التي تتوقف قبل دهسه مع سماع صوت قوي لمكابحها )) |
|
د.مصطفى |
: ( للراكب وقد نزل من السيارة ) أيها العابث ماذا
تفعل .. كدت أن تقتل نفسك ؟ |
|
الراكب |
: بل أثق في براعة قيادتك يا سيدي .. وأعلم يقينا أنك
ستتوقف في الوقت المناسب |
|
د.مصطفى |
: ومن أين جئت بهذه الثقة المفرطة وأنت لا تعرفني ؟ |
|
الراكب |
: كيف لا أعرفك يا سيدي .. وهذه السيارة ذات الطراز
العريق تدل على شخصيتك الأصيلة .. ( متأملا زوجته ) و هذه الزوجة التي يكاد
القمر يحسدها على روعة بهائها الأخاذ .. والشمس تغار منها من فرط جاذبيتها .. والنجوم
تخشى حضورها الطاغي الذي يشع ضياءً يمحو
ظلمات النفس .. هذه الزوجة ..... |
|
د.مصطفى |
: ( مقاطعا ) مهلا مهلا .. كيف عرفت أنها سيارتي .. قد أكون مجرد سائقا لها .. وكيف علمت أن هذه
المرأة زوجتي .. قد تكون صاحبة السيارة .. أو زميلة في العمل .. أو رفيقة في
الحزب .. قد تكون أي شيء |
|
الراكب |
: ( بابتسامة ثقة هادئة ) سيدي .. هذه الملابس الأنيقة
ذات الذوق الوقور لا تكون لسائق أبدا .. وهذا الجمال الغاضب ( ناظرا إلى زوجته )
بالطبع هي زوجتك .. فالعشيقة لا يمكن أن تغادر مقعدها بجوار الحبيب وتجلس في
المقعد الخلفي حتى لو أغضبها .. وتراها تعانق ذراعه اليمنى .. ان كان من النوع
الذي يستطيع قيادة سيارته بيسراه .. تفعلها في هيام ودفء .. كذلك الزميلة أو
رفيقة الحزب لا يوجد ما يقتضي أن تجلس في المقعد الخلفي وتجعلك تبدو كسائق .. (
ملتفتا للزوجة ) ولكني رأيت هذا الجمال الساحر يجلس في المقعد الخلفي بوجه عابث
.. تتصارع بداخلها الأفكار وتعصف بها الأسئلة ، أعتقد أن كل الأسئلة بشأنك يا
سيدي .. وهكذا لم يكن من الصعب توقع أنها زوجتك ! |
|
د.مصطفى |
: ( لزوجته ) اسمعي .. اسمعي يا من تبحثين عن دفء
العلاقة .. ولتسألي نفسك كم مرة أمسكتي فيها بذراعي هذا بهيام .. بينما أقود أنا
سيارة الحياة لارسوا بها على شاطيء المجد والعُلا والتمكين |
|
الراكب الزوجة الراكب د.مصطفى الراكب |
: عفوا سيدي .. هذا يؤكد أنك أنت المخطيء : لا فض فوك يا هذا : وأرجوك ، لا تغضب مني .. فهذا الجمال الحزين لا يجب
أن يعامل هكذا .. مأساة الرجل الشرقي أنه دائما يشتكي من خشونة تعامل زوجته : وأية خشونة : وينسى أن المرأة مثل النار المخلصة .. حين تلقي فيها
وقود الحب .. لا تملك سوى أن تغمرك بلهيبها الساطع |
|
باهي الراكب باهي الراوي باهي الراوي |
: ( للراكب وقد نزلت من السيارة وبإعجاب لا تخفيه )
يبدو أنك شاعر مفوة .. أو فيلسوف عميق : ( بخجل مصطنع ) هذا من رقة احساسك ، ورفعة ذوقك ، ووحي
إلهامك يا سيدتي : أي صدفة سعيدة تلك التي ألقت بك في طريق رحلتي
المشوش (( يتجمد المشهد ويقترب الراوي من باهي )) : ( لباهي ) عفوا .. عفوا يا سيدتي .. لماذا اعتقدت
أنها كانت صدفة سعيدة .. وكامرأة اجيبيني بالله عليك .. هل بهذه السرعة تسقط
حصون النساء .. أمام قذائف من معسول الكلام ؟ : ( للراوي ) بل تضعف الحصون حين يسكن الضباب قمرة
القيادة .. وتشعر المرأة .. باهتزازات البوصلة في يد القائد : حسنا حسنا .. الآن فهمت (( وهو يخرج من المشهد وبؤرة الإضاءة )) قد تتسامح الوحوش في البرية .. ولكن بعض الأمور لا
تسامح فيها في شريعة النساء |
|
د.مصطفى |
: ( بجدية وقد عادت إليه بؤرة الضوء ) من أنت يا هذا
.. و ماذا تريد منا ؟ |
|
الراكب |
: ( بأدب مصطنع ) لو تتعطف يا سيدي وتتلطف .. وتغمرني
بفضلك الرحيب .. وتسمح أن تقلني معكما إلى مدينة السعادة .. فلقد تعطلت سيارتي
في مكان مظلم عند مفترق الطرق الثلاثة .. ومشيت طويلا قبل أن تمن علي الأقدار
بكريم مثلك |
|
د.مصطفى |
: ياللعجب .. وكيف عرفت أيضا أننا نعتزم الذهاب إلى
منتهى الطريق حيث مدينة السعادة .. وهناك مدن أخرى زراعية وصناعية في الطريق
إليها .. هناك أحياء للفقراء وأخرى للأغنياء .. هناك مقابر وسجون .. وربما ننوي
زيارة أقرباء لنا فوق الأرض أو تحتها .. أو حتى يقبعون وراء القضبان .. لماذا
تحديدا أدركت أن السعادة هي بغيتنا .. هل تخاوي الجن يا هذا .. أم تعمل في جهاز
مخابراتي يتجسس على الناس دون سند من القانون أو رادع من الأخلاق ؟ |
|
الراكب |
: ( بتواضع مفتعل ) سيدي .. الأمر بديهي .. ليس فيه سر
مخابراتي أو وسوسة من جان .. فهذه العراقة البادية عليكما .. وهذا الثراء الواضح
.. والرونق الطاغي .. كل هذا لا ينقصه سوى السعادة .. ومن يدري .. ربما أكون أنا دليلكما إليها ان ضل بكما
السبيل .. من يدري ، ربما أكون رجل القدار .. ورسول التغيير ، من يدري ؟ |
|
باهي |
: ( للراكب ) اركب .. ستكون نديمنا في رحلتنا المنشودة
.. هكذا قررت |
|
د.مصطفى |
: ( في بعض حرج ) نعم اركب .. فاخلاقنا على أية حال لا
تسمح أن نتركك وحيدا في هذا الظلام الدامس .. ( لزوجته ) فلتعودي يا حبيبتي لمقعدك
الأصيل ، إلى جواري |
|
باهي |
: ( بحسم ) لا .. بل أجلس حيث كنت قبل ظهور هذا الراكب
.. اشاهد وأسمع .. بل ، أراقب وأنتظر |
|
|
(( تجلس الزوجة في المقعد الخلفي بينما يمسك الراكب
بذراع د.مصطفى ويبتعد به خطوتين هامسا )) |
|
الراوي |
: ( ساخرا وفي المطلق
) قد يخسر الرجل كثيرا حين يجعل زوجته .... تنتظر |
|
الراكب |
: سيدي .. ينشغل الرجل أحيانا في عمله .. ويغرق في بئر
هموم الناس .. ويهمل بركانا من الغضب يتولد في نفسِ زوجته .. حتى ينفجر هذا
البركان .. عندها فقط يدرك حجم نيرانه و يختبر جحيمه المستعر .. ولكن بكل أسف بعد
فوات الأوان .. اتخذني صديقا .. وإن شئت ، أخ موقت .. وسأكون سفيرك إليها قبل
انفجار اللظى |
|
د.مصطفى |
: (( بعد لحظة صمت وبعض ريبة وبعض اطمئنان )) اركب |
|
الراكب |
: تعدني إذن يا سيدي أن تصطحبني لمدينة السعادة |
|
د. مصطفى |
: ماذا بك ؟ هذا وعد هين .. فأنا أعمل بالسياسة
وأستطيع أن أعد الناس دوما بما هو أصعب من هذا |
|
الراكب |
: ( بلهفة ) وأنا لا أريد غير هذا .. وعد تقطعه على
نفسك .. أن تصطحبني إلى مدينة السعادة .. بكل معاني الشرف التي تحملها بداخلك |
|
د.مصطفى الراكب د.مصطفى |
: حسنا .. أعدك : بكل معاني الشرف ؟ : بكل معاني الشرف التي أحملها بداخلي .. أعدك أن
أصطحبك إلى مدينة السعادة .. وألا أتركك تغادر سيارتي إلا حين تصل اليها راشدا
سالما .. هل هذا مناسب ؟ |
|
الراكب |
: ( بارتياح ) مناسب جدا يا سيدي |
|
د. مصطفى |
: والآن .. اركب قبل ضياع الوقت |
|
|
(( تنتقل الإضاءة حيث يوجد الراوي )) |
|
الراوي |
: يقول المثل .. لا يستطيع أحد امتطاء ظهرك حتى تنحني
أمامه .. ومن الصعب أن ينحني المرء رغما عنه مهما ازدادت الضغوط .. ويقول مثلٌ
آخر .. إن عظيم النار من مستصغر الشرر .. أما المثل الأكثر تعبيرا عن سلوك بطل
حكايتنا فيقول .. ان الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة .. بالطبع تقتضى
الأخلاق عدم ترك انسان يقف وحيدا في ظلام موحش .. ولكن .. العبث كل العبث .. أن
تترك بعض الأمور بلا ضوابط صارمة .. لا سيما إن كانت تتعلق بأسس العلاقة أي
علاقة تتشكل في عالم البشر ، الشديد
التعقيد .. بل الغرابة ان شئنا الدقة |
|
|
(( تنتقل الإضاءة حيث السيارة على الطريق وفيها يجلس
الراكب بجوار د.مصطفى وفي الخلف تجلس باهي )) |
|
الراكب |
: العمل في السياسة يمنح صاحبه الجاه والسلطان .. كم
أنا فخور لأني شاركت عظيم مثلك رحلته إلى السعادة .. لأني – و حسب فهمي المتواضع
– أتوقع أن الهدف النهائي لأي سياسي .. هو تحسين سبل الحياة للناس .. وأنت
بالطبع تفعل ذلك يا سيدي ؟ |
|
د. مصطفى |
: نعم .. تشغلني كثيرا هموم الناس .. واتألم طويلا من
أجلهم .. وأعمل على حل قضاياهم .. وأترافع عن المستضعفين منهم .. فهذا ما نذرت
إليه نفسي .. ووعدت أمي قديما أن أبذل حياتي في سبيل تحقيقه |
|
الراكب |
: أنت مثل أعلى يا سيدي .. أنت قدوة للأجيال القادمة |
|
د. مصطفى |
: هذا لطف منك .. واسأل الله أن أكون عند حسن ظنك ..
وأن يجعلني أفضل مما تظن |
|
الراكب |
: أنت بالفعل كذلك .. وتستحق أن كافأك الله بعدله بهذه
الزوجة الرائعة التي تقدر بالطبع ما تفعله من أجل الناس |
|
د.مصطفى |
: ( مجاملا ) هي كذلك بالفعل .. بل أكثر من ذلك .. هي
الرفيق إلى السعادة |
|
الراكب |
: واسمح لي يا سيدي .. أن أتوقع أن هذه الرحلة
الرومانسية كانت اقتراح منك .. لتعويضها عن أيام أو اسابيع .. أو ربما شهور
انشغالك عنها بهموم الناس |
|
باهي |
: ( بحسرة ) لعلك تقصد سنوات انشغاله |
|
الراكب |
: سنوات !! سيدتي .. هذا يدل على عميق صبرك |
|
باهي |
: نعم .. لقد صبرت حتى ضاق الصبر مني .. حتى هذه
الرحلة لم تكن فكرته كما توقعت .. فلقد خاب تخمينك هذه المرة .. هذه الرحلة
فكرتي .. وهو ، حاول التهرب منها لولا إصراري |
|
الراكب |
: نبرة الأسى في عباراتك سيدتي ليست تدل فقط على حبك الكبير
لهذا الرجل العظيم .. وأنك تتوقعين منه الأفضل دائما .. ولكنها تذكرني بسؤال
فلسفي لطالما جال بخاطري .. من أولى بالرعاية .. أهل البيت .. أم الآخرين ؟ ..
أو دعوني أصيغ سؤالي بطريقة أخرى .. هل يمكن توقع أن يكون الشخص الذي يهمل حقوق
المقربين منه .. هو نفسه ذات الشخص الذي ينجح في إستعادة حقوق الآخرين .. أعتقد
يا سيدي أنك أجدر مني على الإجابة |
|
د.مصطفى |
: بالطبع زوجتي التي أحبها كثيرا .. بل أبني المجد من
أجلها كما أبنيه لعامة الناس .. لها حقوق أصيلة يجب أن أؤديها إليها عن طيب خاطر
.. ولكن الأمر أشبه بطلب يتقدم به أحد المنتسبين إلى حزبي السياسي .. ويتعارض في
ذات الوقت مع حق أصيل لآخر لا ينتمي إلى الحزب .. أو حتى يعطل هذا الحق الأصيل .. عندها .. تقتضى الأخلاق والعدالة .. أن
أبذل حق الغريب أولا .. وعلى القريب أن يصبر مادام يؤمن بحسن النوايا .. وصلاح
الهاجس .. وهذا ما تفعله تماما زوجتي المحبة .. تصبر لأنها تعلم .. كم باتت ملحة
حاجات الناس في هذا العالم المبدور بالقسوة والجفاء |
|
الراكب |
: ( بدهشة مصطنعة ) ومع ذلك .. كنت ترفض هذه الرحلة !!
.. عفوا لتطفلي يا سيدي .. ولكني أريد أن أفهم السياسة أفضل .. ووجودي معك فرصة
لا يجب أن أفوتها |
|
د.مصطفى |
: أيها الراكب .. زوجتي لا تستحق فقط هذه الرحلة .. بل
تستحق ما هو أفضل منها عشرات المرات .. ولكني سأترافع بعد العطلة الأسبوعية
مباشرة .. عن مظلوم ضاقت به السبل .. وتقطعت به الأسباب أمام عدالة مُحيرة ..
فوددت أن أراجع ملف قضيته أثناء العطلة .. ولكن أبت زوجتي الحبيبة إلا السفر ..
فاستسلمت لرغبتها بقلب المحب العاشق |
|
الراكب |
: ( بدهشة ) اذن تعترف أنك أهملت ملف قضية المظلوم
الذي منحك كل الثقة .. استجابة لرغبة زوجتك يا من تدعي السهر لحماية حقوق الناس
.. لا سيما المظلومين منهم ! |
|
د. مصطفى |
: ( وقد ارتبك ) وماذا كان بوسعي أن أفعل .. هل أترك
غضبها حتى يصير بركانا طائشا .. هل نسيت نظريتك البركانية في العلاقات الزوجية ..
ألم تقنعني بهذه النظرية قبل قليل ؟ |
|
الراكب |
: ( بوجه آخر ) ولكن ، كان بوسع زوجتك أن تنتظر يا
سيدي .. لولا أن إهمالك الطويل لها قد فاق قدرتها على الصبر .. واسمح لي أن
أتوقع انك استنفذت كل حججك الواهية معها في مرات ومرات سابقة .. ومن أجل ذلك
أصرت على الرحلة .. بل لعلها قاتلت مضطرة من أجل تحقيقها .. وهي لا تصدق أنها قد
تضر بمظلوم آخر أولاك كل ثقته .. ليس من الأخلاق أن تتحمل المسكينة ذنب المظلوم
الذي تغامر أنت بمصيره بلا مبالاة لا تتناسب مع كل ما كنت تتدعيه |
|
باهي |
: ( بصدق ) هذا بالفعل ما حدث .. لم أكن أصدق أن قضية
المظلوم بهذه الخطورة .. فلطالما تكررت أعذاره حتى اقتربت ثورتي على تغيير كل
شيء .. ففكرت أن الرحلة قد تمنع هذا القدر
الذي بدا محتوما .. وتعيد بناء ما تهدم بيننا |
|
الراكب |
: أنت ضحية يا سيدتي تماما كذلك المظلوم .. الذي يعلم
الله وحده كيف سيترافع عنه زوجك ليعيد إليه حقه من هذا العالم الموحش وقد أهمل
ملف قضيته .. وأضاع الفرصة الوحيدة لدراسته .. أي استهتار بالأبرياء يا ربي هذا
الذي أتابع .. وأي ألم يفرضه الإقتراب من رجل كهذا .. ليس إلا مجرد تاجر
بالشعارات ، يقتات على آمال البشر |
|
د. مصطفى |
: ( وقد ارتبك تماما حتى كادت جبهته تقطر عرقا داكنا من
فرط خجله من نفسه ) وماذا عساي أن أفعل الآن .. هل أعود ثانية وألغى هذه الرحلة -
التي لم أرتاح إليها منذ اقترحت - حتى
أتمكن من مراجعة ملف القضية ؟ |
|
الراكب |
: وهكذا أكون أنا ضحيتك الثالثة .. فلعلك تذكر يا سيدي
أنك وعدت باصطحابي إلى مدينة السعادة بكل معاني الشرف التي تحملها بداخلك .. هل
أنت عديم الشرف يا سيدي ؟ .. والآن يجب علي أن أنزل في هذا الظلام الموحش بعد
ضياع الوقت وفرصة إيقاف سيارة أخرى .. أو ربما يتحتم علي العودة معك حيث لا أرغب
أن أكون .. ثلاثتنا ضحايا لسياسي واحد يرتدي عباءة القانون ويتوشح زورا بالقيم ،
أنا والزوجة المسكينة والمظلوم البائس .. بينما السياسي في واقع الأمر لا يسعى إلا
لتنفيذ كل ما يراه أنفع له .. في كل قرار يتخذه .. هل هلكت المباديء والقيم في
هذا العالم .. هل انتحر الشرف واختفت الأمانة .. هل قتلت المروءة والنخوة يا عرب
.. ( بنبرة سخرية ) وعذرا سيدي .. أرجو ألا أكون قد استنفرت سخطك بصراحتي .. ولكن
صدمتي فيك .. بوزن الجبال لا مثيل لها |
|
د. مصطفى |
: ابدا ابدا .. الصراحة لا تثير سخطي .. بل أشكر
الجميع عليها لأنها من أهم مباديء الحزب الذي تربيت سياسيا في كنفه .. وأسعى
لتحقيق وترسيخ مبادئه وقيمه .. ولكني لا أعرف - لأول مرة - ماذا أفعل .. هل أعود
لمراجعة ملف قضية المظلوم أملا في إيجاد ما يرفع الظلم عنه .. وأكون بذلك قد
ظلمت زوجتي وظلمتك .. وتخليت عن وعد قطعته لك .. أم أستمر في طريقي إلى السعادة ..
وأنا أعلم بداخلي أن هذا قد يقلل من فرص نجاح مرافعتي انقاذا للمظلوم .. وكيف
حينها سأسامح نفسي .. ويحي .. ماذا فعلت بنفسي .. ماذا فعلت |
|
الراكب |
: أرى أن نتوقف قليلا في الإستراحة الوحيدة في هذا
الطريق وهي على بعد أميال قليلة .. نحتسى القهوة .. ونفكر في كيفية إصلاح عبث ولا
مبالاة السياسيين |
|
باهي |
: أوافق |
|
د. مصطفى |
: قد نتأخر يا حبيبتي .. وتفوتك لحظة شروق الشمس |
|
باهي |
: ما عادت تهمني الآن |
|
الراكب |
: اذن ، حاز اقتراحي على الأغلبية الدستورية الضامنة
لحقوق ركاب هذه السيارة .. صوتين مقابل صوت واحد .. وليس أمام السياسي الشهير
سوى الإستسلام للقرار الديمقراطي |
|
د.مصطفى |
: لا مفر |
|
|
(( تنتقل الإضاءة إلى حيث يوجد الراوي )) |
|
الراوي |
: أخف الضررين .. فكرة سرمدية تطرح تساؤلات يشقي
الإنسان دائما للإجابة عليها منذ خلق آدم .. فهل كان يتحتم عليه التعايش مع فضول
شهوة تذوق تفاحة الشجرة الشهيرة .. أم أن خروجه من الجنة كان بالفعل الضرر
الأكبر .. هل كان يتحتم على هتلر فتح جبهة جديدة صوب روسيا البلشفية والتردد طويلا
أمام غزو بريطانيا التي كانت لا تزال حينها تقاتل وحيدة .. أم أن ضرر الشيوعية كان أخطر .. هل كان على السادات توقيع معاهدة
كامب ديفيد .. ( لواحد من الجمهور ) هل كان عليه فعل ذلك ؟ أم أن اضرار السلام مع الصهيونية أبشع ..
أستطيع أن أطرح عليكم عشرات الأسئلة من هذا النوع .. كلها تناقش قرارات اتخذت في
الماضي .. تماما كقرار بطل حكايتنا .. ولكن تأتي مسارات المستقبل في الغالب بشكل
مختلف .. فتكتشف أنك حين كنت تعتقد بصواب
السعي تجاة أخف الضررين .. أنك قد هويت في شراك الضرر الأكبر .. سقطت في
هوته السحيقة .. ثم تتساءل في براءة الحمل الوديع .. ماذا كان بوسعي أن أفعل ؟ |
|
|
(( تنتقل الإضاءة إلى حيث تبدوا السيارة على يسار
الجمهور بينما واجهة الإستراحة على يمينه وأمامها توجد منضدة ذات ثلاثة مقاعد
يجلس عليها الشخصيات الثلاثة بحيث يتوسط الجلسة الراكب الذي نجح في تسيير
الأحداث وفق إرادته )) |
|
الراكب |
: ( وكأنه مدع عام
) يجب أن نعترف جميعا أننا أمام قضية شائكة .. تتعقد فيها المصالح
والحقوق ، تتشابك فيها الأحلام والتطلعات والرغبات المشروعة مع الواجبات التي لا
يمكن الفكاك منها .. والمتهم الوحيد هنا بكل أسف .. سياسي متجمل بقبعة القانون .. كنا نتوقع منه أن يكون الميزان الضابط
لرغبات البشر على اختلاف مآربهم .. كنا نتوقع منه العدل والرحمة .. كنا نتوقع
منه وضوح الرؤية .. وجلاء البصيرة .. ولكن خاب فيه رجاؤنا .. فكيف السبيل وكيف
الخلاص من هذا الموقف المعقد .. ( وكأنه وعيد ) بما يتماهى مع قواعد الأخلاق .. ويتسق
مع مباديء أولي الضمير .. ولنعترف ونقر بأن السياسي حين يفقد بوصلته .. حين يفقد
القدرة على التمييز بين ما هو واجب وعاجل .. وبين ما هو واجب ولكن يمكن تأجيله
.. يفقد بالتألي جدوى وجوده .. وتكون عودة البشرية إلى سيرتها الأولى ، وقوانين
الطبيعة الفطرية وعالم ما قبل اختراع الأنظمة أقسط وأعدل |
|
د.مصطفى |
: ( بنبرة المتهم ) أعترف بأن الوضع معقد ، بل هو شديد
التعقيد .. وأني أصبحت أمام كفتي ميزان لا أستطيع ترجيح إحداهما .. إن أنا تمسكت
بقواعد الأخلاق ومعاني الشرف |
|
الراكب |
: ( بخبث ) وهل تملك غير ذلك ؟ |
|
د. مصطفى |
: بالطبع لا .. وإلا ..... وإلا فقدت سمعتي وكياني ..
والسياسي الذي يفقد سمعته ، تنهار مكانته بين الناس كقالب ثلج يذوب في نهار صيف
عفي .. ( متداركا ) هذا بالطبع بخلاف وخز الضمير |
|
الراكب |
: ( بنصف ابتسامة ) دون شك ! |
|
د.مصطفى |
: كنت ملتزما بطريق الرحلة إلى السعادة حين وافقت على
طلب زوجتي بإرادتي الحرة .. هي بالطبع مارست بعض الضغوط .. ولكني في النهاية
وافقت .. أعترف أني وافقت حيث كان بإمكاني أن أتمسك بالرفض مع وعد بتأجيل الرحلة
اسبوعا واحدا .. ( في عيني الزوجة ) فقط اسبوع واحد يا زوجتي الحبيبة حتى أحاول
إنقاذ المظلوم الذي وثق بي .. وهذا يرضي الضمير ويتناسب مع قواعد الأخلاق .. (
مبتعدا عنها صوب الراكب ) ولكن الأمر ازداد تعقيدا حين قطعت عهدا على نفسي بكل معاني
الشرف التي أحملها بداخلي أن أقلك إلى مدينة السعادة .. واذا نكثت بهذا العهد الآن .. سأكون قد تخليت بالطبع
عن معاني الشرف |
|
باهي |
: وستهتز صورتك أكثر أمام مرآة تقييمي للرجل كيف يجب
أن يكون .. وللزوج .. كيف يمكن أن يتصرف ! وللقائد .. كيف يمكن أن يدير الأمور !
|
|
د. مصطفى |
: بالطبع .. بالطبع يا حبيبتي .. ولكني أيضا إن أتممت
الرحلة .. سأكون مقصرا في حق من وضع ثقته وأمله الأخير رهن حسن تصرفي .. وأنتما
شاهدان على ذلك |
|
باهي |
: عندها أيضا ستهتز صورك أمامي .. بتداعي أكبر .. لأني
سأتيقن حينها أني صبرت طويلا على الحرمان مع رجل زعم أنه صاحب مباديء حقيقية .. ولكن
الحقيقة أنه الزيف بعينه |
|
د. مصطفى |
: ( حائرا وبمكر السياسة ) ولكن .. ألا ترون أنكم
تبالغون في الأمر بعض الشيء ؟ |
|
الراكب |
: ( بحسم ) إن فكرت بهذه الطريقة .. ثق أنك تهدم ما
تبقى من ذاتك .. ونصيحتي أن تجد مخرجا يكون مبنيا على قواعد الأخلاق .. التي
تزعم أن والدتك قد ربتك عليها |
|
د. مصطفى |
: حسنا .. ( لزوجته ) زوجتي الحبيبة .. أعترف أني قد انشغلت
عنك كثيرا في الفترة الماضية .. بل دعيني أعترف أني أهملت في تأدية حقوقك كزوجة
مخلصة لي ، كان هذا ليقيني بأنك الزوجة ذات الأصل والحسب ، التي تدعم زوجها في
أصعب الأوقات والمحن ، لا سيما في لحظات الترقي والتطلع إلى مستقبل أفضل .. وهذا الإدراك هو ما دفعني
إلى قبول هذه الرحلة .. ولكن اتضح الآن أني حين وافقت لك عليها قد ارتكبت جريمة
أخلاقية في حق مظلوم آخر وضع ثقته في .. فهل تقبلين أن نعود إلى منزلنا حتى
أتمكن من مراجعة ملف القضية وأعدك أن نذهب سويا إلى مدينة السعادة في نهاية
الأسبوع القادم .. وأن نبقى فيها نتمتع سويا بلحظات شروق الشمس من رحم الأمواج مادمت
ترغبين في ذلك ؟ (( لحظة صمت وترقب )) |
|
باهي د.مصطفى باهي |
: أوافق ... ولكن بشرط : ( ببعض ارتياح ) وما هو ؟ : أن يحلك هذا الراكب من وعدك له .. فكيف أثق في وعدك
الجديد وأنا أراك تنكث الآن بوعدك له ! |
|
د. مصطفى |
: أتفهم هذا .. ( للراكب ) والآن أصبح حل اللغز بين
يديك يا سيدي .. ولعلك تعلم يقيتا أني ما وافقت على اصطحابك في سيارتي .. إلا
لأني قد أشفقت عليك من البقاء وحيدا في ظلام الطريق الدامس .. فهل تشفع لي هذه
النية الطيبة .. وتحلني من وعدي .. وتسمح لي بالعودة مع زوجتي لمحاولة إنقاذ
المظلوم |
|
الراكب |
: ( ببساطة ) لا .. لا وألف لا |
|
د. مصطفى |
: لماذا يا سيدي ؟ |
|
الراكب |
: لأنه لا يوجد ما يدفعني لقبول ذلك ! |
|
د. مصطفى |
: والمظلوم ؟ |
|
الراكب |
: المظلوم ، أنت من تخلى عنه ولست أنا .. ولو كان قد
وضع ثقته في أنا .. لكنت بذلت العمر قبل أن أفكر ولو لحظة في خذلان أمانته ..
فلا تحملني تبعات جريمتك الأخلاقية .. أم تظن أنك قد خدعتني بخطابك الرقيق
المنمق .. ألا فلتعلم يا هذا أن أمثالك من السياسيين لا يقتاتون إلا على مثل هذه
الكلمات .. التي لا تسمن ولا تغني من جوع .. ولست من النوع الذي ينخدع لكم ..
نعم .. لست من النوع الذي ينخدع لكم .. تذكر هذا جيدا (( لحظة صمت وتفكير )) |
|
د. مصطفى |
: فلنعقد صفقة .. هل تفضل هذه اللغة ؟ |
|
الراكب |
: ( ببرود ) بعض الشيء |
|
د. مصطفى |
: اذن .. ماذا استطيع أن أقدم لك .. في مقابل أن تحلني من وعدي .. وتسمح لي
بالعودة مع زوجتي من حيث أتينا |
|
الراكب |
: ( بتعالي ) أخبرني انت ماذا تستطيع أن تفعل من أجل
إنقاذ شرفك .. ما الذي يمكن أن تقدمه كي تبرهن على قيمة الشرف لديك ؟ |
|
د. مصطفى |
: سؤال صعب .. سؤال محرج |
|
الراكب |
: و ليس أمامك سوى الإجابة عليه |
|
د. مصطفى |
: ( ببعض تردد ) أفعل ما تأمرني به إنقاذا لشرف الكلمة
لدي |
|
الراكب |
: ( بوجه متهلل ) مرحى مرحى .. عليك اذن أن توافق - بارادتك
الحرة - على الحل الذي سأقترحه لحل هذا اللغز |
|
د. مصطفى |
: (( بعد لحظة صمت وتردد )) سأوافق |
|
الراكب |
: هل تعدني بكل معاني الشرف التي تحملها بداخلك أنك
ستفعل |
|
د. مصطفى |
: ( بشبه انهيار ) نعم أعدك .. أعدك .. لا حيلة لدي |
|
الراكب |
: ( بهدوء وثقة ) اذن ستعطيني مفتاح سيارتك .. وسأعود
بها بصحبة زوجتك إلى منزلك حيث يوجد ملف قضية المظلوم فنحمله إليك .. وعندها
نستأنف رحلتنا إلى مدينة السعادة .. وهناك تستطيع أن تراجع ملف القضية بعدما
تكون قد وفيت لزوجتك وعدك لها بمنحها رؤية شروق الشمس من بحر السعادة .. حتى ولو
حرمت لذة النوم والراحة |
|
د. مصطفى |
: ولماذا لا تنتظرنا أنت هنا .. وأنا أدفع تكاليف كل
ما تطلبه حتى نعود إليك ومعنا ملف القضية ؟ |
|
الراكب |
: وكيف أثق أنك ستعود .. يا رجل ، هل رأيت منك ما
يدعوني إلى الوثوق بك في هذه الليلة ؟ |
|
باهي الراوي الراكب الراوي الراكب الراوي الراكب الراوي الراكب باهي |
: ( لزوجها ) أجب على هذا المنطق القوي (( لحظة صمت تحمل نظرة عتاب للزوجةيتجمد بعدها المشهد
)) : ( للراكب ) عندي
سؤال لك : ( للراوي ) تفضل : ( للراكب ) قد تستغربه بعض الشيء : ( في المطلق ) ما عاد شيء يستغرب في هذا العالم : ( للراكب ) حسنا .. سؤالي هو .. كيف تبدو بهذا
الثبات وهذه الثقة أثناء هجومك على خصمك ؟ : ( للراوي ) تعلم أنت النصر صبر ساعة : ( بلفلسفة ) ولكن يبدو أن ساعة أهل الحق مازالت
معطلة ! : ( للراوي ) وهذا بيت القصيد .. حكمة الصبر تكمن في الثبات
والثقة عند المواجهة .. وليس الصبر مجرد لعقا للجراح وتكيفا مع الالم (( يخرج الراوي من المشهد الذي تعود اليه الحياة بعد
إيماءة موحية )) : ( لمصطفى ) قلت لك أجب على هذا المنطق .. كيف يمكنه
الوثوق به ؟ |
|
د. مصطفى |
: ( للراكب ) حسنا .. بفرض أني تركت لك سيارتي .. لماذا
أوافق أن تذهب زوجتي معك .. استطيع أن أخبرك بمكان الملف .. وأنت متفضلا تحمله
إلينا |
|
الراكب |
: ولكني لا أدخل بيوتا غاب عنها أصحابها |
|
د. مصطفى |
: ولكن أصحابها يسمحون لك بذلك .. أليس كذلك يا حبيبتي
؟ |
|
باهي د.مصطفى |
: هذا بينك وبينه : ( بنظرة عتاب لزوجته مغلف بالأسى ) لست أفهمك ؟ |
|
الراكب |
: ( منهيا الجدل ) هذا مبدأ لدي .. ولا يوجد ما يدفعني
إلى التخلي عن مبادئي .. أنا لست مثلك يا رجل .. ثم ، هب أني سرقت سيارتك ..
وتركتك تنتظر وتنتظر في هذا المكان الموحش وتخسر الوقت .. ماذا ستفعل حينها من أجل انقاذ المظلوم وقد
صرت بلا سيارة وبلا حيلة ، منشغل في تأمين زوجتك .. أيها السياسي .. بدأت أشعر
ان كل ما تدعيه غير حقيقي !! |
|
د. مصطفى |
: ( لزوجته ) زوجتي .. حبيبتي .. شريكة عمري ورحلة
كفاحي .. هل تقبلين مجرد فكرة الذهاب معه بدوني ؟ |
|
باهي |
: قلت لك من قبل هذا بينك وبينه .. فلا تستغل وضعي
كزوجة لك في الضغط عليه .. انتصر عليه ان استطعت بالحجة والمنطق .. وإياك أن
تتخيل أني سأسمح لك بالمتاجرة بعلاقتنا في هذه القضية الشائكة ، هل فهمت ؟ (( لحظة صمت مدوية )) |
|
د.مصطفى |
: حسنا .. إنقاذا لشرفي وسمعتي ، وحرصا على حق المظلوم
.. سأوافق .. لكن بشرط أن تعدني بكل
الشرف الذي تحمله بداخلك أن تحافظ لي على زوجتي .. وألا تعرضها لأي سوء أو مكروه
.. وأن تعود بها سالمة في أسرع وقت دون ابطاء |
|
الراكب |
: أعدك ألا تفعل زوجتك في هذه الرحلة .. إلا كل ما هو
ينتمي لهواها |
|
|
(( د. مصطفى يعطيه مفاتيح السيارة )) |
إظـــــلام
الجزء الثاني
يسمع صوت موتور السيارة قبل أن
تبدأ موسيقى موحيه تصاحب بؤرة إضاءة يظهر بداخلها الراوي في مواجهة الجمهور تماما
|
الراوي |
: ينجو من يغوص في أعماق نفسه ثم يطفو ثانية بأقل
الخسائر .. ينجو من يستطيع التعرف على حقيقة ملامحه .. فأنت تذهب إلى المتجر ..
وتتأمل ألعاب الأطفال .. وتختار منها ما يناسب ميزانيتك بقدر ما يناسب أمنيات طفلك
، ولعلك تهتم بالأولى أكثر .. ثم تعود باللعبة إلي طفلك لتضيء البسمة وجهه
الرقيق .. فتقول في نفسك حينها .. انا أب صالح بالفعل .. أبذل المال والجهد لإسعاد
طفلي .. ولكنك لا تستطيع أن تنكر أن هذا الأحساس يشعرك بالرضا .. فتكون بشرائك
للعبة قد ارضيت نفسك أولا .. بقدر ارضائك لطفلك .. ولكنك عادة ما تخفي هذا الجزء
الهام من الحقيقة .. لتظهر أمام زوجتك في صورة الأب المضحي الذي ينفق من أجل إسعاد
الأسرة .. نفس المنطق يتحقق اذا تأملنا معظم أفعال بني البشر .. حتى التي تبدو منها
على درجة كبيرة من التضحية أو مكارم الأخلاق .. الحق أقول لكم أننا بالأساس لا نسعى
سوى لإرضاء منطقة خاصة ، شديدة الخصوصية داخل أنفسنا .. ومنها تنطلق القرارات
الخاصة بمعظم أفعالنا .. بعض الناس ينجحون تماما في إخفاء ذلك .. وينجحون في
اقناع حتى أنفسهم بأشياء أخرى تختلف تماما عن حقيقة جوهرهم .. وينسجون الأساطير
حول أسباب قراراتهم الخاصة ومواقفهم العامة .. ولا يملون من ترديد المبررات
والحجج .. بعضها أشد وهنا من بيت العنكبوت .. وترى البعض يقاتل لاثبات صحة
جدواها ، وربما يخسر في سبيل ذلك الأخ أو الجار أو الصديق .. وطوبى للذي لديه
تفسير حقيقي لكل تصرفاته .. طوبي للذي يمتلك تصور عادل عن حقيقته .. ويمتلك
شجاعة مواجهة نفسه بحقيقتها |
|
|
(( تنتقل الأضاءة إلى حيث السيارة التي يقودها الراكب
وبجواره تجلس باهي ويسمع صوت موتور السيارة وموسيقى موحيه )) |
|
باهي |
: (( بعد لحظة صمت )) أتسمح لي بسؤال ؟ |
|
الراكب |
: بالطبع |
|
باهي |
: لقد عشت سنوات اعتقدت فيها أن زوجي رجل ذو مباديء
حقيقية .. سياسي محنك .. ومحامي مفوة .. فكيف استطعت تعريته أمامي هكذا في ليلة
واحدة لم تنتهي بعد ؟ |
|
الراكب |
: ( بنصف ابتسامة ) ببساطة .. لأني أمتلك ما لا يمتلكه
.. ويعاني هو مما لا أعاني منه أبدا |
|
باهي |
: وما الذي تمتلكه ولا يمتلكه زوجي .. وما الذي يعاني
هو منه ولا تعاني أنت منه أبدا |
|
الراكب |
: أنا أمتلك القوة |
|
باهي |
: ولكنكما لم تتصارعا |
|
الراكب |
: بل فعلنا .. وليس أشرس الصراع هو ما تستخدم فيه
الأيدي والأرجل ويتبادل الناس فيه اللكمات .. فالقوة الحقيقية هي القدرة على
إخفاء نقاط الضعف لديك .. في مقابل الهجوم غير المتردد على نقاط ضعف خصمك .. أو
دعيني أقول .. الهجوم غير المتسامح .. وهذا ما فعلته مع زوجك حتى استسلم تماما
لإرادتي |
|
باهي |
: ( باعجاب ) أنت مذهل حقا .. ولكن ما الذي يعاني منه
زوجي ولا تعاني أنت منه أبدا ؟ |
|
الراكب |
: الخوف .. فلولا خوفه منك ما وافق بداية على هذه
الرحلة .. ولولا خوفه من صورة فاقد الشرف الحانث بوعده .. ما ترك زوجته بصحبة
رجل غريب في ظلام مؤثر .. مخالفا بذلك قاعدة أكثر أهمية من قواعد الشرف .. الحق
أقول لك إن الشرف قد عانى كثيرا مع زوجك يا سيدتي |
|
باهي |
: وماذا كان بوسعه أن يفعل وقد ضيقت عليه الخناق ؟ |
|
الراكب |
: كان عليه أن يكون صارما ويرفض التوقف في الإستراحة |
|
باهي |
: ويخالف قواعد الديمقراطية التي ناضل طويلا من أجلها
؟ |
|
الراكب |
: وهل يحق لي وأنا الضيف الراكب أن أطرح بالأساس فكرة
التوقف في الإستراحة للتصويت .. لا ديمقراطية مع مخالفة القانون .. ولا قانون مع
تجاهل الحقوق |
|
باهي |
: ولكنه لم ينتبه إلى هذا |
|
الراكب |
: لأني نجحت في ارباكه والضغط على نقاط ضعفه ..
وأبرزها أنه يريد أن يبدو مثاليا وأخلاقيا |
|
باهي |
: وماذا أيضا وقد توقفنا بالفعل في الإستراحة .. أقصد
، ماذا كان بوسعه أن يفعل بعد ذلك ؟ |
|
الراكب |
: ينطلق بي إلى مدينة السعادة حيث يتخلص من الضغوط
التي شكلتها عليه .. ثم يقنعك بالعودة دون إبطاء حتى يتمكن من مراجعة ملف قضية
المظلوم وقد تعلمتما الدرس .. وربما كان يستطيع أن يمنحك أيضا فرصة مشاهدة شروق
الشمس ولو لدقائق .. عندها يكون قد حقق أفضل المكاسب |
|
باهي |
: نعم .. لقد فكرت في هذا .. ولكن ، لا أدرى لماذا لم
أشفق على زوجي وأقترح عليه ذلك .. ربما فضلت أن أراقب كيف سيتصرف في هذه الأزمة |
|
الراكب |
: وحسنا فعلت |
|
باهي |
: نعم .. على الأقل أدركت أنه ليس الرجل الذي تخيلته
.. ولكن ، ألا تخشى أنت مني كما يخشاني هو .. أستطيع أن أصرخ .. وأن أتهمك
باختطافي ومحاولة اغتصابي .. وربما يجدها زوجي فرصة للأنتقام منك .. وقد صنعت به
ما لم يصنعه أحد من قبل |
|
الراكب باهي الراكب |
: أنا لا أخشى منك يا سيدتي .. : لماذا ؟ : لاني سأحصل عليك |
|
باهي |
: ( بمكر الأنثى دون انزعاج ) بالقوة التي تمتلكها |
|
الراكب |
: أهم الأشياء في هذه الدنيا لا يستطيع الإنسان الحصول
عليه بالقوة .. الحب .. لا نحصل عليه بالقوة .. وكذلك الصحة و العافية .. لا
يمكن الحصول عليهما باستخدام القوة .. وبالطبع السعادة .. الرضا .. راحة البال
.. جميعها أشياء تعجز القوة وحدها في تحقيقها .. ولكنها مع ذلك شرط أساسي في
تمامها .. لذا .. لن أحصل عليك يا سيدتي دون موافقتك .. بل .. دون ترحيبك |
|
باهي |
: ( بدلال الأنثى ) وما الذي يجعلني أوافق أن أمنحك
نفسي |
|
الراكب |
: لنفس الأسباب .. لا تزيد ولا تنقص |
|
باهي |
: لعلك توضح أكثر |
|
الراكب |
: السبب الوحيد الذي يجعل الزوج يخشى من زوجته هو
إدراكه أنه يفتقد القوة التي تشبع جوهرة الأنثى بداخلها .. و بالدرجة التي
ترضيها .. حتى أنه قد يضطر إلى التخلي عن قيمة نصرة المظلوم في مقابل التحايل
لإخفاء ضعفه هذا .. وهذا ما أهلك زوجك ، فضلا عن احساسه الدائم أنه ليس كفؤا لك لذات
السبب .. أما أنا ، فكما بينت لك .. أمتلك القوة .. بل لا أسمح لأحد بمنافستي
فيها .. كما أثق أني كفؤ لك .. بل من لك سواي يا سيدتي |
|
باهي |
: أنت رائع بالفعل .. ويبدو أن شمس حياتي ستشرق من
جديد تحت جناحيك .. ومن يدري .. لعلي أستطيع أن أستعيد معك ماضي أسرتي العريق (
تحرك يديها في وضع فرعوني أشبه بالدعاء ) ومن يدري .. ربما أعود مجددا لبناء
قواعد المجد وحدي (( كمن تفيق من الحلم )) ولكن .. كيف سنجبر زوجي على طلاقي |
|
الراكب |
: أنا من سيفعل المطلوب كله ولكن بشرط ! |
|
باهي |
: وما هو ؟ |
|
الراكب |
: تفويض .. تمنحيني تفويض بالتصرف كيفما أرى |
|
باهي |
: ( بابتسامة أنثوية ) حسنا .. أفوضك أيها الراكب |
|
|
(( تنتقل الإضاءة إلى حيث يظهر الراوي )) |
|
الراوي |
: بعض الحكايات مثل حكايتنا هذه شديدة التعقيد بحيث لا
تستطيع إلقاء التهمة على شخص بعينه .. فهل من العدل أن نلوم الزوج وحده لأنه كان
متحكما ولو للحظة في فصول الحكاية كلها .. أو الزوجة التي تخلت عند أول مفترق للطرق
وقد سقطت كل الأساطير التي تأسست عليها علاقتهما الزوجية دون ترتيب منها .. أم الراكب
الذي ظهر في حياتهما فجأة وما صنع غير تحفيز الإختلافات الموجودة بالفعل بينهما ..
( للجمهور ) بالطبع أنتم تتحرقون شوقا لمعرفة باقي أحداث الحكاية .. ولكن اسمحوا
لي أن أقول لكم ان نهاية هذه القصة ليست هدفا في حد ذاته .. ولكن .. كتبت هذه
الحكاية علها تساعدنا على اكتشاف المنطقة التي مازالت مجهولة وغامضة في هذا
العالم .. وعليكم أن تتذكروا هذا دائما .. وتفكروا معنا في سبل اكتشاف هذه
المنطقة المجهولة .. وانتم تتابعون نهايات الحكاية |
|
|
(( تنتقل الإضاءة إلى حيث يجلس د. مصطفى الذي ينتبه
لتوقف سيارته ومنها ينزل الراكب بصحبة باهي وفي يده ملف القضية )) |
|
د. مصطفى |
: لقد تأخرتما طويلا .. وكأنه الدهر كله .. ولست أدرى
لماذا وافقت من البداية على اقتراحك هذا .. بل لست أدرى لماذا وافقت أن تشاركنا
رحلتنا إلى السعادة وقد ألقيت بنفسك في طريقنا كشيطان أخرق .. ولكن لا بأس ..
أحمد الله على سلامتك يا زوجتي الحبيبة .. وأرجو ألا تكوني قد تعرضتي لما يسيء |
|
باهي |
: بالفعل تعرضت لما يسيء ولكن ليس وأنا بصحبة هذا
الرجل الفاضل .. بل حدث هذا حين كنت في صحبتك أنت |
|
د.مصطفى |
: ( متجاوزا الحرج ) لا أفهم ما تقولين .. و على أيه
حال .. سيكون لدينا الوقت لمناقشة كل ما يغضبك .. وإستعادة دفء علاقتنا .. وأنا
على استعداد لفعل كل ما يرضيكي |
|
باهي |
: وهل تعتقد أنك مازلت تملك الوقت ؟ |
|
د. مصطفى |
: نعم |
|
باهي |
: لا أظن ذلك |
|
د. مصطفى |
: فقط امنحيني الفرصة |
|
باهي |
: لطالما منحتك الفرصة تلو الفرصة .. ولكن يبدو أنك لا
تريد أن تفهم أيها السياسي أنك لست كفؤا لهذه الرحلة .. لا تناسبك .. ليست على
مقاسك .. ألا تستطيع أن تفهم ؟ |
|
د.مصطفى |
: لا يليق أن نتحدث هكذا أمام الغرباء |
|
باهي |
: ( بسخرية ) ولكنك قد سمحت بما هو أكثر من هذا |
|
د. مصطفي |
: أعدك أني سأتغير .. فقط دعينا ننهي هذا الموقف
السخيف وتذكري أني دائما أحبك |
|
الراكب |
: ( ببرود ) ملف القضية |
|
د.مصطفى |
: ( يأخذه ) نعم .. شكرا لك |
|
الراكب |
: المدهش أنك لم تسألنا عنه .. لا بأس .. هذه أيضا
مفاتيح سيارتك .. واعذر تمسكي بوعدك أن توصلني إلى مدينة السعادة |
|
د.مصطفى |
: نعم بالطبع .. ولكن عسى أن تجلس زوجتي بجواري هذه
المرة |
|
باهي الراوي باهي |
: ( بنبرة حاسمة ) لن يحدث .. فلقد مضى الوقت الذي كنت
أجلس فيه بجوارك .. فقط دعنا نكمل ما بدأناه .. ولا تقلل من نفسك بأكثر مما وصلت
إليه .. ربما تكون هذه هي نصيحتى الأخيرة لك (( يتجمد المشهد ويقترب الراوي من باهي )) : ( لباهي ) لماذا لا
تمحيه فرصة أخيرة ؟ بالطبع تستطيعين إيجاد أسباب لقرار مثل هذا : ( بحيادية ) نعم أستطيع .. ولكنها ستكون خسارة جديدة
للوقت .. فبعض أنواع الهزائم والنكسات تقتضى لتجاوزها دفع الراية إلى فارس آخر
.. ونكسة زوجي كانت من ذلك النوع (( الراوي يعطي إيماءة ذات مغزى )) |
|
|
(( يتحرك ثلاثتهما إلى السيارة وتنتقل الإضاءة إلى حيث
يكون الراوي مواجهها للجمهور )) |
|
الراوي |
: القرارات البشرية يمكن اعتبارها دالة رياضية مع
الزمن .. فما يفيد الطالب المستهر اذا اتخذ قرارا بالمذاكرة الجادة بعد نفاذ
فرصه في دخول الأمتحان ؟ وما يفيد الحاكم الطاغية اذا قال لشعبه .. "
فهمتكم " وقد وصلت ثورة الشعب ضده إلى مرحلة اللاعودة .. دعونا نفكر كيف
كان سيتغير مسار التاريخ مثلا .. اذا قرر فرعون الخروج ترك موسى يخرج مع قومه
مجنبا مصر اللعنات .. وماذا لو قرر التراجع في اللحظة الأخيرة قبل أن يخوض بجيشه
البحر فيهلكه ويهلك معه .. أو دعونا نفكر بطريقة أخرى .. ماذا لو التف المصريون
حول الرأي الصائب لمؤمن آل فرعون .. وقد شاهدوا هزيمة سحرة فرعون وإيمانهم الواثق
برب موسى .. وقرروا الثورة على الفرعون المغرور .. وإجباره على تجنيب مصر
اللعنات والويلات بالسماح لموسى بالمغادرة مع قومه .. بالطبع كانت الأحوال ستسير بشكل أفضل ، ولكنه ضعف
النفوس الذي لطالما حذرتنا منه الكتب السماوية .. والعجيب .. أن فرعون إتخذ قرار
الإيمان برب موسى في النهاية .. ولكن
بعد فوات الأوان .. هكذا أيضا كانت القرارات في حكايتنا .. كلها بعد فوات الأوان
|
|
|
(( تنتقل السيارة حيث تجلس باهي في الخلف ويقودها د.
مصطفى وبجواره يجلس الراكب )) |
|
الراكب |
: الآن قطعنا ثلاثة أرباع الطريق نحو السعادة .. أدركت
هذا لأنني أحفظ هذا الطريق جيدا .. لا أخيفك سرا أنني سرت فيه من قبل .. وحققت تماما
ما أردته من كل رحلاتي السابقة .. وسبحان الله .. كلها كانت تسير بنفس السيناريو
تقريبا .. وكالعادة تكون ذورة الرحلة .. حين تختفي أعمدة الإنارة .. عند هذا الجزء المتعرج من
الطريق .. فتكسوه العتمة الموحشة .. هذه العتمة بالنسبة لي .. هي بشائر النصر
وأهازيج .. وكما يقول المثل .. مصائب قوم عند قوم فوائد |
|
|
(( يشهر مسدسه ويهيؤه للضرب وبلهجة عسكرية )) |
|
|
والآن أيها المسكين .. توقف الآن |
|
د. مصطفى |
: ( بارتباك ) أنت تمزح دون شك |
|
الراكب |
: لا تختبر صبري .. فحياتك الآن لا تساوي ثمن رصاصة
أطلقها لتستقر في رأسك (( ملتفتا لباهي )) أليس كذلك يا
حبيبتي ؟ |
|
باهي |
: بلى أيها الحبيب |
|
د. مصطفى |
: (( يضغك على مكابح السيارة فتتوقف بصوت مخيف ))
ماذا تقولين أيتها الــ...... ؟ |
|
الراكب |
: (( الذي يضربه ببمؤخرة المسدس فيتاوه )) انزل أيها السفيه قبل أن أحطم رأسك |
|
د. مصطفى |
: (( وثلاثتهم ينزلون من السيارة )) هي الخيانة إذن ، انقلاب على المباديء والأخلاق ؟ |
|
الراكب |
: فلتسمها كما شئت .. ما عادت الأسماء تهم في هذا
العالم .. فالغزو يسمى تحريرا .. والثورة تسمى مؤامرة .. والإنقلاب يسمى ثورة ..
والغباء يسمى انقاذا للأبرياء |
|
د. مصطفى |
: باهي .. حبيبتي .. أنت زوجتي المخلصة ، لا تتخلي عني
.. نعم قد أكون اخطأت .. ولكني ابدا ما أجرمت .. لا قتلت ولا سرقت .. لا سجنت
ولا عذبت .. لا كذبت ولا خدعت .. لا بعت ولا فرطت .. فقط حلمت .. نعم حلمت أن
يسود العدل والسلام في هذا العالم .. لقد راهنت على ادراكك ووعيك .. وعلى خلاصة
تجاربك السابقة مع كل زوج خانك واحتال ليسرق جزءا من نضارتك .. لقد راهنت على
قيمك .. على هويتك .. على تاريخك .. على أصلك الطاهر .. فلا تتركيني إلى هذا
المصير |
|
باهي |
: ( بجحود ) لقد انتهى وقتك .. حاول أن تتفهم ذلك |
|
الراكب |
: والآن .. وقع على هذه الأوراق |
|
د.مصطفى |
: وماذا دونت فيها ؟ |
|
الراكب |
: ( ببرود تام ) تنازل عن السيارة .. والبيوت التي تملكها
.. ومكتب المحاماة .. فلست جديرا بالدفاع عن الشعب .. وأيضا شيكات مقبولة الدفع
بقيمة كل الأرصدة التي لديك .. ووصولات أمانة .. لو فكرت في تقديم أي شكوى
قضائية بالطبع سأستخدمها ضدك .. و اعتراف أن وجودك في حزبك تم بطريقة غير مشروعة
، حتى لا يكون لك مكان في السياسة مجددا ، صدقتني هذا عادل لمن هم مثلك ..
وأخيرا .. ورقة طلاق بائن من زوجتك |
|
د.مصطفى |
: ( بتجاسر ) كلا لن أوقع |
|
الراكب |
: ( الذي يصفعه بوحشية ) بل ستوقع |
|
د. مصطفى |
: لا .. لن أوقع |
|
الراكب |
: ( الذي يصفعه بوحشية أكبر ) بل ستوقع أيها الخائن |
|
د. مصطفى |
: ( بترنح ) أنا لست خائنا .. أقسم على ذلك .. ولن
أوقع |
|
الراكب |
: (( الذي يضربه بمؤخرة المسدس وباهي تتابع انفجار
الدم من رأسه بجحود )) بل ستوقع |
|
د.مصطفى |
: (( الذي يسقط على الأرض بعد مقاومة وبصوت يبدأ في
الخفوت )) كلا .. لن أوقع |
|
الراكب |
: (( يبدأ في ركله بقسوة وضربه بكل السبل بينما يصر
د. مصطفى على عدم التوقيع حتى تخور قواه تماما )) حسنا .. لا
يهم الآن أن توقع .. سأحصل على كل شيء
تماما كما خططت منذ البداية .. وحتى لو تقدمت بشكوى .. ستجدني من يتحكم في مسار
العدالة .. ولن تجد يا عزيزي في هذا العالم القاسي عيونا ترى مأساتك أو آذانا
تسمع شكواك |
|
|
(( يخرج علبه أختام من جيبة ويمسك بسبابة د. مصطفى
المُلقى على الأرض دون حراك ويبدأ في أخذ بصمته على الأوراق حتى ينتهي منه تماما
– وهو مستمر في ترديد عبارة " لن أوقع " – بتهالك ، ثم يهمس في أذنه
)) لا تلومني يا عزيزي .. فالبقاء دائما للأقوى والأذكى ..
تلك هي قوانين الطبيعة .. والله يحكم بيني وبينك يوم القيامة |
|
باهي الراكب |
(( ينهض مشيرا إلى باهي )) هيا يا حبيبتي نكمل رحلتنا معا .. وسأجعلك سيدة هذه
الدنيا : هل تعدني بذلك بكل معاني الشرف التي تحملها بداخلك : ( الذي يضحك بقوة ساخرا ) بالطبع .. أعدك بكل معاني
الشرف (( يضحك )) |
|
الراوي |
(( يركبان السيارة ويتركا مصطفى ملقى على مشارف الموت
في الطريق المظلم وتنتقل الإضاءة الى حيث يظهر الراوي متأملا حالة مصطفى الملقى
على الأرض مستمرا في ترديد عبارة " لن أوقع " )) : ( لمصطفى ) ما
عاد أحد يهتم بتوقيعك وقد وقعت .. في فخ منصوب لك بعناية .. وقعت .. أصحاب نظرية
المؤامرة سيقولون لم تكن هناك قضية لمظلوم .. وأن الزوجة رتبت كل شيء مع الراكب
قبل أن تبدأ الرحلة .. صدقني .. هذا كله ليس مهما .. مادمت قد وقعت |
|
|
: ( للجمهور ) لماذا يبدوا عليكم التأثر إلى هذه
الدرجة .. أنتم في مسرح .. والقصة التي تشاهدونها مجرد لعبة مسرحية ، هل تريدون
أن أقسم لكم على هذا .. يالله .. لكأني أرى الدموع في عيون بعضكم ( بعد تدقيق في
الجمهور ) يا الله .. ماذا أرى ؟ دموع حقيقية تذرفونها على مشاهد تمثيلية .. أتوقع
مادمتم تتمتعون بهذه المشاعر المرهفة أن تكونوا قد بكيتم طويلا على خالد سعيد ..
وسيد بلال .. وشهداء ثورة يناير .. ومحمد محمود .. وجيكا .. وشهداء رابعة
والنهضة والفتح .. وعربة الترحيلات .. وعلى ضحايا الإهمال والفساد والقطارات ،
والإهمال الطبي في السجون والمعتقلات .. أتوقع أن تكونوا قد بكيتم على ضحايا
البراميل المتفجرة في سوريا .. والغدر في طرابلس .. والطائفية البغيضة والغزو
الهمجي في العراق ، والقصف والوباء في اليمن ، والتربص في تونس ، والمكر في
الجزائر ، والعبث في المغرب ، والبربرية والهمجية والوحشية والغدر في فلسطين ..
أو ..... لماذا إذن تبكون على ما تعلمون
يقينا أنه غير حقيقي .. وتغضون الطرف على كل المآسي الحقيقية المحيطة بكم ..
ربما أنتم وحدكم تملكون الأجابة .. ومن لم يجدها بعد .. أعده بفرصة أخيرة .. ولكن
.. بعد أن يعرف مصير باهي الجميلة بعد مرور السنين |
|
|
(( تنتقل الإضاءة إلى حيث توجد باهي في حالة ذبول شديد
وأمامها يجلس الراكب في ملابس رسمية على مقعد وثير وخلفية الكادر نفس المرآة
التي ظهرت في المشهد الأول )) |
|
باهي |
: ( بألم ) سيدي.. لماذا لم نتزوج حتى الآن ؟ |
|
الراكب |
: ( بلا مبالاة ) لا يهم .. مادمت أمارس كل سلطات
الزوج .. وأحصل منك على ما أريد |
|
باهي |
: أو نظل هكذا دون عقد زواج ؟ |
|
الراكب |
: وهل لو جعلنا بيننا عقدا .. تراه سيكون عقدا حقيقيا
.. هل تعتقدين ان وثيقة طلاقك شرعية بالأساس .. عزيزتي .. لماذا نخدع أنفسنا
وكلانا يعرف الحقيقة .. أعتقد أننا أنضج من هذا |
|
باهي |
: والسيارة .. والأموال .. والبيوت |
|
الراكب باهي الراكب باهي الراكب |
: ( بسأم ) نفس الأسطوانة المشروخة .. أموالي ..
تعليمي .. صحتي .. مزارعي .. مصانعي .. لم فعلت بي كل هذا وقد كنت أحبك ..
ووهبتك نفسي .. عزيزتي .. أنت لم تختاري إلا ما
كان يناسب مع بداخلك .. فلا تلومني
علي سوء هذا الأختيار .. حبيبتي ، هذا ليس عدلا : ( بتهالك ) ولكنك وعدتني بكل معاني الشرف التي
بداخلك : ( ساخرا ) ومن قال لك أني أهتم بمعاني الشرف .. : ( بصعوبة ) من أنت ؟ : ( ببراءة ) مجرد قرار لك |
|
|
(( تبقى الزوجة في وضع شبه متهالك والراكب في وضع نشوة
وفخار ويتجمد المشهد الذي يخترقه ويتأمله الراوي بتعبيرات ذات مغزى مع انطلاق
موسيقى موحيه قبل أن يلتفت مواجها الجمهور تماما عند أقرب نقطة )) |
|
الراوي |
: وهذه هي المنطقة غير المكتشفة في هذا العالم ..
منطقة اتخاذ القرار داخل كل انسان .. مهما تحدث عن مبررات .. مهما تاجر وتغنى بالشعارات
.. مهما مارس الدجل الرخيص على نفسه قبل غيره .. تظل حقيقة منطقة اتخاذ القرار
.. غير مكتشفة .. لأنه .. لو كان عقل الانسان فقط هو ما يتخذ القرار ، لكانت
قرارات العلماء والأذكياء كلها صائبة .. ولو كان القلب فقط هو منطقة اتخاذ
القرار لكانت قرارات العشاق كلها خاطئة .. هي اذن منطقة وعرة نحتاج عونا إلهيا
لاكتشافها بشرط .. ألا نكون من الظالمين .. بسم الله الرحمن الرحيم " ومن أضل ممن اتبع هواه
بغير هدى من الله .. إن الله لا يهدي القوم الظالمين " صدق الله
العظيم |
ســــــــــــتار النهاية
تعليقات
إرسال تعليق