الحرافيش / عن رواية نجيب محفوظ / الجزء الثالث


اللوحة الخامسة

المنظر

الحارة
في اليسار توجد قهوة يجلس عليها الفتوة قنصوه وأمامه منضده وفي يده كرباج وفي اليد الأخرى شيشة فارهة وعلي يمينه السمانى وعدد من أفراد عصابته وأمامهم مجموعه من الحرافيش مصطفين لدفع الإتاوات , وفي الوسط طريق يؤدي إلي التكية وعلي اليمين محلات التجار

حرفوش 1

: الإتاوة المفروضة علي يا سيد المعلمين .

قنصوه

: حطها علي الترابيزة وغور .. ( يفعل )

حرفوش 2

: الإتاوة يا معلم .. بس ناقصة نكله .

قنصوه

: و النكله دي راحت فين يا جربوع .

حرفوش 2

: والله يا معلم ما معايا غير دول .. أنا دراعاتي وهنت .. ومعدتش بعرف أشتغل زي زمان .

قنصوه

: موش ذنبي يا روح أمك .. الإتاوة تجيلي كاملة .. يإما ما شوفش وش اللي خلفوك في الحارة .. اسمع .. قدامك لحد بكره الصبح .. فاهم .

حرفوش 2

: فاهم يا معلم .. ( يهم بالانصراف )

قنصوه

: رايح فين يا حيوان يا جربوع .. هيه وكاله من غير بواب ..
( يعطي الكرباج للسمانى ) .. يآخد كرباجين يا سماني علشان ما ينساش يجيب النكله بكره .

السمانى

: ( وقد أخذ الكرباج ) .. أمرك يا سيد الحارة .. خد ياله ( يتجه إلي حرفوش 2 ويضربه ضربتين علي ظهره فيتأوه بشده ) .. يللا غور .. وإياك يعدي عليك الفجر من غير ما تكون نكله سيد الحارة في جيبك .

حرفوش 2

: ( بعد أن يبتعد خطوات ) حسبي الله ونعم الوكيل .

حرفوش 3

: ( لقنصوه ) يا سيد الحارة .. أنا مراتي عيانه وراقدة في السرير .. وانت عارف إنها كانت بتسرح ببيض في السوق علشان تساعدني علي المعيشة .. ودلوقتي الحال داق بيا وموش قادر حتى علي مصاريف علاجها .

قنصوه

: عاوز تقول إيه يا واد .

حرفوش 3

: ( بتجاسر ) عاوزك تعفيني من الإتاوة لحد ربنا ما يصلح لي الحال .

قنصوه

: عال والله .. بقي عاوزني أعفيك من الإتاوة .

حرفوش 3

: اعتبرها دين علي يا معلم لحد مراتي ما تخف .

قنصوه

: ( بلهجة خشنه مفتعله ) سماني .

السمانى

: أمرك يا سيد الحارة .

قنصوه

: قلع الواد ده هدومه .

حرفوش 3

: يا معلم .. ( ضربه من السوط تمنعه من إكمال استجداؤه ويقوم فردان من أفراد العصابة بنزع ملابسه إلا ما يستر به عورته ثم يبدأ السمانى في جلده علي ظهره حتى إشارة من قنصوه لهم بالتوقف )

قنصوه

: كفاية .. الواد ده يتربط زي ما هوه كده تلت تيام علي جزع شجره .. وهدومه دي تتباع .. ولو ما وفتش الإتاوة بيعوا عفش بيته .. والإتاوة الجاية ها تبقي الطاق طاقين يا حارة معفنة .. مفهوم .

الحرافيش

: مفهوم يا سيد الحارة ..
 أوامرك يا معلم ..
 إحنا خدامينك يا معلم قنصوه يا فتوتنا .

قنصوه

: ( بنبره قاسيه ) غير الشيشة يا حيوان .

عاشور

: ( يدخل الحارة ويبدأ في عرض خدماته علي المارة ) موش عاوز خدمه يا حاج .

الحاج

: قصدك إيه يا بني .

عاشور

: اللي تؤمر بيه .. لو عندك زريبة انضفهالك .. لو عندك بهيمه أحميهالك .. إنشالله تقولي انقل لي  حجارة المقطم كلها أنا تحت أمرك

الحاج

: صحيح .. أكل العيش مر يا جدعان .. علي العموم يا بني لو احتجت حاجه هاندهلك .

عاشور

: ( يتجه إلي شيخ يحمل مجموعه من الأقفاص ) أشيل عنك يا سيدنا الشيخ .

الشيخ 2

: كان بودي يا بني .. بس أنا معنديش فلوس أديهالك .. أولاد الحرام نشلوا اللي جيبي . 

عاشور

: ( يحمل عنه الأقفاص ) موش ضروري فلوس يا سيدنا الشيخ .. لقمة عيش حاف تكفيني .. ولو مفيش خالص ما يضرش .. ربنا ما بينساش حد من عبيده .. أهم حاجه الواحد يعمل اللي عليه .
( يسير معه إلي خارج المسرح )

السمانى

: ( هامسا إلي قنصوه بعد انصراف الحرافيش من أمامه ) عاوز أقولك حاجه يا سيد الحارة بس خايف تزعل مني .. وأنا أهون علي نبوت يفلق دماغي .. ولا يزعل معلمي مني .

قنصوه

: اتكلم علي طول يا سماني من غير ديباجه .

السمانى

: انت ليه سايب الواد عاشور يمرح في الحارة من غير ما تآخد منه إتاوة .

قنصوه

: ده واد معدوم .. بيشتغل بلقمه حاف .. ولو يوم داق الغموس يبقي عيد .

السمانى

: مهو حرافيش الحارة كلهم علي الحال ده .. وبعدين أنا خايف يهمسوا بكلام يزعل سيد الحارة .

قنصوه

: كلام زي إيه يا سماني ؟

السمانى

: يقولوا مثلا إن الفتوه ما بياخدش إتاوة من عاشور علشان يعني .. خايف منه .. إكمنه بغل ويفصل منه إتنين .

قنصوه

: ( وقد احمر وجهه غضبا ) عديت حدودك يا سماني .. من امتي   قنصوه الفتوه خاف من حد أو عمل حساب لحد .

السمانى

: ينقطع لساني لو كان زعلك يا سيد الحارة .. لكن ….

قنصوه

: مالكنش .. والسيرة دي موش عاوز أسمعها تاني .. واللي يهمس بينه وبين نفسه جيبهولي .. وأنا أخليه يندم إن أمه ولدته .
( تدخل زينب الناطورى ويتعرف عليها قنصوه رغم الياشمك فيتحرك صوبها ويوقفها لينفث فيها غضبه من حوار السمانى )

قنصوه

: انت يا بت موش تبقي زينب بنت زين الناطوري .

زينب

: ( بهلع ) أيوه .

قنصوه

: ( يمد يده لرفع حجابها فيظهر جمالها الشديد في اللحظة التي يعود فيها عاشور إلي المسرح ) ارفعي عن وشك البتاع ده لما يكون الفتوه بيكلمك .. ( هذا التصرف يجذب المارة لمتابعة ما يحدث )

زينب

: انت ليه عملت كده .

قنصوه

: علشان أبوكي يبقي يأخر تاني الإتاوة زي عوايدة .. ولعلمك .. انت هاتفضلي واقفه كده بوش مكشوف لحد ما يجيلي أبوكي ويدفع الإتاوة وغرامة تأخير كمان .

عاشور

: سبها تروح دارها يا معلم .. والحساب يبقي بين الرجالة موش مع الحريم .

السمانى

: ( بحركة دعائية ) انت بتعدل علي الفتوه يا واد يا عاشور .

عاشور

: أنا بمنعه من عار هيلازمة وعمره ما هيفارقة .. سيب البنت تروح دارها في أمان يا معلم علشان تفضل كبير .

قنصوه

: ( وهو يتأمل قوة بنيانه ) ده رأيك يا عاشور .

عاشور

: دي الأصول يا معلم .

السمانى

: ( يرفع السوط ويهم بضرب عاشور ولكن نبوت قنصوه يمنع السوط من ملامسة جسده ) انت ها تعلمنا الأصول يا بن الــ …

قنصوه

: كف كرباجك يا سماني .. عاشور ده ليه عندي مكانه بين أهل الحارة كلهم وليه شفاعة .. ده رباية الشيخ زيدان اللي حفظني من كتاب الله وأنا صغير .. وده اللي مرضيش يطاوع درويش ويقطع معاه طريق الخلق .. والحارة كلها عرفت مصير درويش .. السجن .. بعد ما بلغت الحكومة عنه .. انتم عارفين إن الحكومة سايبه للفتوات الأمن  في كل حارة .. وكلمتنا عند الحكومة مابتردش .. وكلمتك عندي يا عاشور ماتتردش برده .. روحي يا زينب وابقي خلي أبوكي يعدي علي ..
( زينب ترفع الياشمك وتنصرف بعد نظرة امتنان لعاشور الذي ينظر لوجهها فتتحرك بداخله مشاعر لم يألفها من قبل ) .. أنا رايح لفتوة الحسنية يا سماني .. خلي بالك من الحارة في غيابي .. ( يخرج )

السمانى

: ( بلهجة مختلفة ) أمرك .. أمرك يا سيد الــ … الحارة .. ( يتجه لعاشور ) .. اسمع يا واد يا عاشور .. لو كان قنصوه عامل حساب لجسمك اللي زي جسم البغل .. أنا عاوزك تعرف إني غيره .. عارف ليه ؟ لإني عارف إنك جبان .. ومالكش في مسكة النبوت .. علشان كده أنا عايزك تحذرني .. ولو شفتني ماشي في الحارة اتداري زي النسوان .. ( ينصرف قبل أن يرد عليه عاشور وخلفه ينصرف أفراد العصابة بينما يلتف الحرافيش حول عاشور )

حرفوش

: الفتوه خاف منك يا عاشور .

آخر

: الخوف كان باين في عنيه .

ثالث

: انت أملنا يا عاشور .

رابع

: انت اللي هاترفع الظلم عنا .

خامس

: خد الفتونة من قنصوه وحقق العدل اللي الحارة بتحلم بيه .
( يدخل زين الناطوري )

الناطوري

: حرام عليكم .. ما تزقوهوش في طريق الموت في ليل الغدر .. لو كان عاشور كفيل بقنصوه وعصابته في نور النهار .. العتمه ليها شياطين بتطعن كل حلم جميل .

حرفوش

: ما تسمعش كلامه يا عاشور .. ده تاجر ما بتقطمش وسطه الإتاوة اللي بندفعها إحنا من قوت عيالنا .

آخر

: انت اتخلقت للفتونه .

ثالث

: ولو موش مصدقنا .. بص لجسمك وشوف فيه حكمت المولي .

رابع

: انت اتخلقت لقدر ما تهربش منه يا عاشور .

خامس

: ومين يقدر يهرب من القدر .. ده وعد ومكتوب ومعاد .

الحرافيش

: انت الفتوه يا عاشور .. انت الفتوه يا عاشور .

عاشور

: يا رجاله حرام عليكم .. انتوا بتمنوا نفسي بإيه .. بطوق نار يتلف علي جبيني .

حرفوش

: خايف من الفتوه يا عاشور .

عاشور

: ربنا وحده يعلم إن الخوف عمره ما عرف لقلبي طريق .. غير خوفي منه .. من ساعة هاقف فيها بين إيديه .. قوتي ساعتها موش ها تشفعلي لو كنت ظلمت .. ومين يقدر يسوس العدل في الحارة إلا لو كان ولي مختار .. أنا عاوز أعيش في حالي وأموت ومفيش في رقبتي دين لحد .

آخر

: لو كنت خايف يضيع العدل منك إحنا هاندلك عليه .

عاشور

: لو تضمنوه دلوا الفتوه قنصوه عليه .

ثالث

: نبوته هايسبق ودانه .. وكرباجه ساكن جوه عقله .. و ضميره مرتاح طول ماهو ماشي بين عصابته .

عاشور

: لو كنتم يد واحده .. لو كنتم صوت واحد .. كان كل فتوات المحروسة يعملوا حسابكم .. لكن الفرقة قتلت النخوة جواكم .. والخوف خلاكم عبيد لقوت يومكم  .. وأنا ما يشرفنيش أكون فتوة عبيد الخوف لجم لسانهم .. يا أهل حارتي الخوف قواد والشرف طول عمره غالي .

الحرافيش

: ( وهم يخرجون من المسرح ) - يا خسارة يا عاشور ..
-          ضيعت الحلم يا عاشور …
-          هونا عليك يا عاشور ..
-          خذلتنا ..

عاشور

: ( بصوت يهز أرجاء المكان ) خوفكم هوه اللي خذلكم .

الناطوري

: ( لعاشور ولم يبق غيرهما علي المسرح ) سيبك منهم .. هما نصفوا مين قبلك .

عاشور

: كان نفسي أحررهم من خوفهم .

الناطوري

: الحرافيش طول عمره خايفين من اللي جاي .. باكيين علي اللي راح .. بيحلموا بالفارس اللي ها ييجي علي حصان ابيض يخلصهم .. والفارس ده لو كان موجود وشاف حالهم .. ها يهرب منهم .. عارف ليه يا عاشور .

عاشور

: ليه يا عم زين .

الناطوري

: علشان هما واللي زيهم ما يستاهلوش من الدنيا غير اللي هما فيه .

عاشور

: مسير العدل يتحقق .. وطاقة النور تشق السواد اللي دايس علي عيونهم .

الناطوري

: وانت يا عاشور .. ناوي علي إيه .

عاشور

: قصدك إيه ؟

الناطوري

: هاتفضل عايش كده زي نخله في صحرا ملهاش أنيس ولا ونيس .

عاشور

: أنا راضي بنصيبي من الدنيا .. مادمت ما بكتمش كلمة حق جوايا .

الناطوري

: اللي زيك يا عاشور يستاهل ينول من الدنيا علي قد الخير اللي جواه .

عاشور

: أنا شايف ورا كلامك كلام يا عم زين .

زين

: اسمع يا بني .. ربك مَن علي بالمال وحرمني من الولد اللي يشد عودي .. ويحمي تجارتي .. ويصون حريمي بعد موتي .. وأنا شايف فيك شهامة وأصل .. والمثل بيقول أخطب لبنتك .

عاشور

: بس أنا ماملكش من الدنيا غير عافيتي .. والعافية زي الوردة عمرها قصير .

زين

: بس السيرة الطيبة عمرها طويل يا بني .. ولو وفقتني .. هاجوزك بنتي زينب .. وهاتفضل مديونة لك بشهامتك .. وهديتي هاتكون كارتة .. تشتغل عليها والرزق بيد المولي موش شطارة بشر .. قلت إيه .

عاشور

: ( بعد لحظة تفكر ) ناولني يدك نقرا الفاتحة .
إظــــلام

الوحة السادسة

المنظر

دار عاشور
وهي حجرة بسيطة تحتوي علي التفاصيل الأساسية للمعيشة دون مبالغه ..
 يضاء المسرح بعد سماع أصوات زفه وزغاريد ثم يدخل عاشور بجلباب مقبول تتأبط ذراعه زينب في ثياب الفرح وطرحه تداري وجهها . 

عاشور

: ( يجلسها علي أريكة بالحجرة ويرفع طرحتها فيشرق جمالها ) تبارك الخلاق فيما خلق .. من كل أنوار الدنيا جمالك نقي لنفسه نور .. خد من القمر ضحكة خدوده .. ومن الشجر صبته وعوده .. وخد من النجوم دلالها .. ومن الزهور عبيرها .. لو حوا عايشه كانت باهت بجمالك ورد البساتين .. وكان آدم قال للبحور شوفوا ذريتي جمالها وصل لحد فين .

زينب

: ( وقد أخجلها هذا الغزل ) بجد يا سي عاشور .. شايفني حلوة في عيونك .

عاشور

: حلوه !! أنا شايفك ندي ها يمس جلد ما فارقيتوش شمس حارقه دقيقه واحده .. سلسبيل بارد هايروى عطشان شق صحاري الكون من غير ما يلقي في طريقه بير مَيه واحد يوحد ربنا .. شايفك نسمه رقيقة حلمت بيها وقمت من النوم مستكتر الحلم ده علي نفسي .

زينب

: وأنا شايفاك فارس شجاع خطفني علي حصانه من غير ما يعمل للديابة حساب ... بعد ما شق ليل ظالم مليان عيون فاضحة سري وكنت فيه وحيده , خايفه .

عاشور

: عمري يفديكي يا زينب .. والخوف من الليلادى ح يخاف يعرف لقلبك طريق .. إلا خوفك من المولي .. هوه الملك واحنا كلنا عبيده .

زينب

: هاصلي ليه و هطول سجودي .. حمد وشكر علي أحلي نعمه .

عاشور

: وأنا هاندر لجلاله صيام اليوم اللي شفتك فيه من كل عام .. حمد وشكر وعرفان بالجميل .. و يارت صيامي يوفي النعمة .. ده كل نظره في عيونك نعمه .. كل لمسه لضفايرك نعمه .. كل صبح تفتح فيه عيوني تلقاكي جنبي نعمه .

زينب

: يعني عمرك ما هاتزهق مني يا سي عاشور .

عاشور

: لو السما زهقت من نجومها .. ولو الطير زهقت من عششها .. عاشور عمره ما هايزهق منك يا جنتي .

زينب

: للدرجة دي حبيتني .

عاشور

: ياريت فيه كلام يقدر يوصف اللي جوايا .. تعالي يا زينب ندوب ليالي الحرمان .. ونحيي سنة ربنا في خلقة .. بعد ما حللك لي وحللني ليك شريعة المولي وسنة رسوله .. تعالي يا زينب .
( تنحصر الإضاءة تدريجيا ) 
إظـــلام

اللوحة السابعة

المنظر

دار عاشور
وقد زادت عليها بعض التفاصيل التي تدل علي نماء الخير ومرور السنوات .
يضاء المسرح فيظهر شمس الدين وهو صبي في الحادية عشرة من عمره يجلس في أحد أركان الحجرة وفي يده كتاب ويبدوا نحيفا منهمكا في القراءة قبل أن يدخل عليه أخويه حسب الله في السابعة عشرة ورزق الله في السادسة عشره .

حسب الله

: انت بردة ها تفضل حابس نفسك في الدار يا شمس الدين وماسك الكتب اللي موش هاتنفعك بحاجة .

رزق الله

: بدل ما تنزل معانا تدور علي صنعة تتعلمها وتكسب منها عيش .

شمس

: ( يرفع طرفه ناظرا اليهما ثم يخفضه ثانية للكتاب )

حسب الله

: بقي موش عاوز ترد علينا .. طب أنا هاقول لأبويا عاشور انك لسه بتروح تزور الخوجه وتآخد منه كتب .

شمس

: لأ يا حسب الله يا أخويا .. أبوس إيدك ما تقولش لأبويا .

حسب الله

: يبقي تنزل معايا للنجار اللي بشتغل صبي عنده علشان تتعلم صنعه النجارة دي صنعة بتكسب دهب .

رزق الله

: أو تيجي معايا لمبيض النحاس .. وبعد ما تتعلم هاتآخد نكله كل يومين .

شمس

: موش قادر أسيب الكتاب اللي في إيدي .

حسب الله

: ليه .. هوه لزق في إيدك .

شمس

: لزق في عقلي .. ده كتاب حساب .. يخليك تعرف تجمع وتطرح وتضرب .. والحساب ده بيعلم التفكير .. ويخليك تعرف ازاي تشغل مخك وتحل أي حسبة مهما كانت عويصة .. ( يخرج كتاب آخر كان يجلس فوقه ) ومعايا كمان كتاب علوم .. فهمني الأرض اللي احنا بنمشي عليها دي شكلها إيه .. وعرفني إن الكون فيه كواكب ونجوم .. ومفيش حاجة في الكون ده ثابتة .. كله بيتحرك .. وأنا لما فكرت في حال أهل حارتنا .. لقيت الحال كمان موش ثابت .. بيتحرك .. الفقير بيبقي غني .. والغني بيبقي فقير .. والقوي بيضعف .. والصغير بيكبر .

حسب الله

: بس انت موش عاوز تكبر وتجيب قرش تصرف بيه علي نفسك .

رزق الله

: يا عبيط الفلوس بتنزه صاحبها .. ( بهمس ) أقولك علي سر .

شمس

: خير يا خويا .

رزق الله

: فيه واحد جه الحارة .. بني في أولها قهوة و يبيع فيها بوظة .

شمس

: وتطلع إيه البوظة دي .

حسب الله

: آه يا شمس لو تدوق البوظة .. عقلك ها يطير .

شمس

: ومين قالك إني عاوز عقلي يطير .. أنا عاوز عقلي يفضل موجود ويفكر .

حسب الله

: يا واد .. البوظة دي بتخلي العقل يطير .. والجسم يخف .. والدم يخف .. والضحكة تبقي كركعة .. والصحبة تبقي أنس .. والقهوة دي فيها بنت اسمها فله .. لو شفتها يا شمس ها تكبر قبل الأوان .

شمس

: أنا موش عاوز أكبر قبل الأوان .. أنا عاوز أخلص الكتب دي علشان أرجعها للخوجه وآخد غيرها .

حسب الله

: براحتك .. سلام .. يللا يا رزق الله .

رزق الله

: يللا يا خويا .. ( يهمان بالخروج )

حسب الله

: بقولك إيه يا شمس .. لو أبوك استعوقنا أوعي تجيبله سيرة البوظة ..  والحمد لله إن شغله علي الكارتة مساهيه ولسه ما يعرفش إن الحارة بقي فيها بوظة .

شمس

: مادمتم موش عايزين أبونا يعرف .. تبقي البوظة دي حاجة غلط .

حسب الله

: ملكش دعوه انت .. وإياك تفتح بقك .. سلام .. ( يخرجان )

شمس

: ( يعود إلي القراءة وثوان قبل أن تدخل زينب وفي يدها ثوب تتأهب لترقيعه والسنوات لم تنل من جمالها بل زادته بريقا وتألقا )

زينب

: انت برده ما نزلتش مع أخواتك تتعلم لك صنعه .. لو أبوك جه وشافك ها يضربك .

شمس

: يا أمه العلم فيه أسرار نفسي مشتاقة تعرفها .. أنا موش عاوز أغضب أبويا .. ولا عاوز أغضبك .. لكن ….

زينب

: لكن إيه يا بن بطني .

شمس

: أنا موش عاوز أتعلم صنعه .. ونفسي أطلع خوجه ..
( ينتبهان لصوت خطوات تقترب من الباب فيبدوا الهلع علي وجه شمس ) .. أبويا باينه وصل .

زينب

: طب استخبي بسرعة وما تخليهوش يشوفك .. ده أكيد راجع تعبان وحرام يغضب قبل ما ياكل ويرتاح .

شمس

: أنا هانط من الشباك .. وهكمل قراية في ضهر الدار .

زينب

: طيب بسرعة .. وأوعي تتعور وانت بتنط .. ( يقفز شمس من نافذة بالدار في نفس اللحظة التي يفتح فيها عاشور باب الدار ويدخل )

عاشور

: زينب .. وحشتيني أم عيالي يا نور حياتي .

زينب

: لسه بوحشك رغم السنين دي يا سي عاشور .

عاشور

: السنين بتمر علشان تزود جمالك .. وتضيف لحبك حب في قلبي .. وتضيف لشوقي شوق فوق شوق يا أم عيالي يا أصيلة .. والمولي يرحم أبوكي زين الناطوري ويغفر  له ذنبه .. أحسن إلي وهاداني بيكي يا حب عمري .

زينب

: ربنا ما يحرمني من حبك لي .. ويزودهولي كمان وكمان .

عاشور

: أخبار عيالنا إيه .

زينب

: حسب الله ورق الله خرجوا لشغلهم .

عاشور

: وشمس الدين يا زينب .

زينب

: شمس لسه صغير .. وصحته علي قده .

عاشور

: العيل ده ما ورثش قوتي .. ولا صبري علي السعي ورا الرزق .

زينب

: الزمن كفيل بيه .. وبكره يغيره .

عاشور

: م أنا خايف الزمن يسرقه .. وسنه يكبر ومايعرفش يتعلم صنعه ياكل منها عيش .

زينب

: طيب هيه الحاجات اللي بيقراها دي موش ممكن تنفعه .

عاشور

: تنفعه لو كنت وديته مدرسه ممكن يطلع منها خوجه يعلم الناس بالفلوس .. لكن إحنا وديناه الكتاب وهوه صغير علشان يادوب يعرف يفك الخط .. ويحفظ من كتاب الله .

زينب

: ياريتنا يا عاشور كنا وديناه مدرسه مادام الواد طالع غاوي علام .

عاشور

: م إحنا برده معذورين يا زينب .. ماشفناش حد في الحارة ودي ولادة مدارس .. التجار بيعلموا ولادهم التجارة وبيقفوا في دكاكينهم .. واللي يعرف صنعه بيعلمها لابنه .. وولاد الحرافيش ربنا وحده اللي عالم بحالهم .. اللي ما بيجيلوش مرض ياخد عمره وهوه صغير .. بيكبر ضعفان .. وبالكتير لو يشتغل باليومية حسب الطلب .

زينب

: لا ياخويا .. ربنا يستر علي عيالنا انشالله يفضلوا عايشين جنبنا كده من غير شغل .

عاشور

: ودي تبقي عيشه يا زينب .. اللي مايشتغلش موش عايش .
( ينتبهان لصوت بالباب )

الصوت

: يا رب يا ساتر .. يا سي عاشور .. يا سي عاشور .

عاشور

: ده صوت سليمان بتاع العلف اللي بشتري منه أكل الحمار .. يا تري عاوز إيه .. ادخلي جوه انت يا زينب ..
( زينب تدخل بينما يتجه عاشور إلى الباب ويفتحه فيدخل سليمان )

سليمان

: ازيك يا سي عاشور .

عاشور

: الحمد لله يا سليمان .. اتفضل .

سليمان

: يارب يا ساتر .

عاشور

: ادخل الدار أمان .

سليمان

: دايما عامر بحسك يا سي عاشور .

عاشور

: خير يا سليمان .. موش عادتك تزورني في البيت .. هوه فيه غلط في حسابنا وللا حاجه.

سليمان

: طول عمر حسابك مظبوط يا سي عاشور .. وبعدين انت تتآمن علي مآل قارون .

عاشور

: أمال إيه الحكاية يا سليمان .

سليمان

: انت عارف يا سي عاشور إني وحيد في الدنيا دي .. مليش أهل .. وبعتبرك صاحبي وأخويا .. وبعتبر ولادك ولادي .

عاشور

: انت أصيل وابن حلال يا سليمان .. لكن انت كده قلقتني .. فيه حاجه عاوز تقولها .

سليمان

: الولاد يا سي عاشور .. ولادك .. حسب الله ورزق الله .

عاشور

: مالهم .. ضايقوك في حاجه .. قولي وأنا أقطم لك رقبتهم .

سليمان

: ياريتهم دايقوني أو ظلموني أو غلطوا فيه , انشالله حتى لو كانوا ضربوني .. والله ما كنت اشتكيت .. لكن المصيبة انهم بيظلموا نفسهم .. وبيجروا ورا الشيطان اللي بيستغل صغر سنهم .

عاشور

: عملوا إيه يا سليمان اتكلم .

سليمان

: ليلاتي بيسهروا في البوظة الملعونة اللي بناها شيطان رجع حارتنا من غير معاد .
إظـــــلام

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الكلاب الايرلندي / الجزء الاول

الكلاب الايرلندي / الجزء الثالث

الكلاب الهندي