العابدان / الجزء الاول


اللوحة الأولي
المنـظر
: مكان بالصحراء تتميز به خيمة أنيقة وعلي مقربة منها جذع نخلة مبتور يتوسط المسرح ويقابله في الجهة الأخرى باتجاه الكالوس الأيسر مؤخرة سيارة لاند روفر .. وخلف الخيمة مولد كهربائي تنبعث منه أصوات ترتفع لدرجة الصخب في أحيان وتخفت في أحيان أخري .. ويقابله خلف الخيمة أيضا طبق استقبال فضائي – لاقط - .. وأمام الخيمة يتدلي مصباح كهربائي .. وهناك مصباح آخر داخل الخيمة .. وبجوار باب الخيمة يوجد جهاز تلفاز موضوع علي منضدة ذات عجلات مغروسة في رمال الصحراء  وخلفية المنظر من بعيد بنايات المدينة الشاهقة ذات البهاء

يضاء المسرح إضاءة توحي بليل الصحراء والأب ( عابد ) – رجل في منتصف العمر – ينتهي صلاة َأم فيها ابنه الوحيد (  وليد ) وهو شاب في مقتبل العمر ويبدوا بدينا بعض الشيء
عابد
: ( يسلم بصوت يملؤه الخشوع ) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. السلام عليكم ورحمة الله .
وليد
: ( بصوت به حياء ) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. السلام عليكم ورحمة الله .
عابد
: ( رافعا يده إلي السماء بالدعاء ) اللهم تقبل منا بعدنا عن هذا العالم الذي يقوده الشيطان .
وليد
: ( بسلام وهو رافعا يده ) آمين .
عابد
: اللهم تقبل عزلتنا .
وليد
: آمين .
عابد
: ونفورنا من الناس المخطئين .
وليد
: آمين .
عابد
: ونجنا من فتنة النساء .
وليد
: ( بصوت متردد ) آمين .
عابد
: ولا تأت بهم إلينا في الصحراء .
وليد
: ( بتردد أكثر ) آآمين .
عابد
: ابتلينا يا الله في صحتنا ولا تبلينا بهم .
وليد
: ( يصمت لحظة فيلتفت له الأب فيردد علي الفور ) آمين .
عابد
: إنك سميع قدير وصلي الله علي نبينا محمد وعلي آله وصحبه وسلم .
وليد
: حرما يا أبي .
عابد
: جمعا يا ولدي .. وبارك الله فيك .. وجعلك عوضا لي عن هذا العالم الآثم .. وعوضا لي أيضا عن زوجتي .. أمك الفاضلة الراحلة .
وليد
: سأكون كذلك بإذن الله يا أبي .. ( بعد لحظة صمت وتردد ) هل ستنام الآن .
عابد
: نعم .. هل تريد مني شيء ؟
وليد
: فقط أريد أن أتسامر قليلا معك .
عابد
: اللغو من الشيطان .
وليد
: ولكن النوم لا يداعب جفوني وعادة ما أبقي وحيدا في هذا الليل الموحش .
عابد
: ( بنبرة حانية ) وحيدا !! .. الله معك يا ولدي .. أذكره يذكرك .. حرك شفتاك باسمه سبحانه تأنس وحدتك .. فلقد جئنا إلي هنا بعد موت والدتك هروبا إليه من الدنيا وشرورها .. خمسة عشر عاما مضت يا ولدي ونحن في معيته .. هل أصابنا مكروه .. هل ظلمنا أحد .. هل شعرنا بالحزن (( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون )) .. صدق الله العظيم .
وليد
: ( بعد لحظة صمت يهم فيها الأب بدخول الخيمة ) لماذا لا تعلمني قيادة السيارة يا والدي .
عابد
: كي أعينك علي الشيطان الذي قد يمني نفسك بزيارة هذه القرية الظالم أهلها .. ( مشيرا إلى أضواء القرية التي تلوح من بعيد )
وليد
: ولكنك تشتري لنا الطعام منها .. والماء أيضا .
عابد
: "" وعباد الرحمن الذين يمشون علي الأرض هونا وإذا قابلهم الفاسقون قالوا سلاما ""
وليد
: حسنا .. دعني أتعلم القيادة  فربما تمرض يا أبي أو تموت فأحتاج إلي شراء الطعام من المدينة .. وأنا أعدك أن أظل أقول سلاما سلاما سلاما حتى أعود .
عابد
: إذا مت يا ولدي فالله معك .. لن ينساك .. وله سبحانه سأترك أمرك .. فلقد نذرتك له بعد موت أمك الراحلة الفاضلة .. وهو خير حافظ وهو أرحم الراحمين .
وليد
: ( بعد لحظة صمت أخري ) لماذا لم تعد تدير التلفاز يا أبي .. ولماذا تخفي دائما جهازه المستقبل .
عابد
: ( بنبرة ودودة ) أنت لا تعلم يا بني كيف تغير حال هذه الأمة .. لقد تعددت القنوات ولا تري فيها سوي نساء كاسيات عاريات .
وليد
: ( الذي يبتلع لعابة  ويبدأ في تخيل الأمر ) كيف بالله عليك يا أبي .
عابد
: هناك قنوات للأغاني .
وليد
: عظيم .
عابد
: لا تبث غير الأغاني .
وليد
: رائع هذا التخصيص .
عابد
: و تملؤها مطربات الوطن العربي الكبير .
وليد
: أمجاد يا عرب .
عابد
: يرتدون ما يبرز النهود .
وليد
: نعم .
عابد
: والبطون .
وليد
: ( يكاد يتمزق ) يا الله .
عابد
: والسيقان .
وليد
: وماذا أيضا ؟
عابد
: ماذا بك يا فتى .. لم يبق شيء .
وليد
: ( الذي يسمع لهاثه ) نعم .. فعلا .. لم يبق شيء .. ولكن .. كيف علمت بكل هذا يا أبي .
عابد
: رجل صالح علي أطراف المدينة أقابلة أثناء عودتي بالطعام .. و يخبرني دائما بما آل إليه مصير هذا العالم المأفون .
وليد
: دون شك .. ولكن كيف علم هذا الرجل الصالح بأمر هذه القنوات .
عابد
: الحق أقول لك يا بني أني لم أسأله .. ولكني أثق به .. والآن دعني أنام قليلا حتى أستيقظ لقيام الثلث الأخير من الليل .. وأنصحك أيضا بالنوم .. فنحن لم نأت إلا هنا إلا للعمل في طاعة الله فرارا إليه ..  ونحمد الله أن مًــن علينا بالمال الوفير الذي يغنينا عن سؤال الناس .. أو إضاعة الوقت في عمل دنيوي زائل . 
وليد
: ( يتحرك الأب حتى يكاد يدخل باب الخيمة ) لماذا لا تتزوج يا أبي .
عابد
: ( يقف ويلتفت له وقد تغيرت ملامحه )
وليد
: أليس الزواج نصف الدين .
عابد
: ( يقترب من ابنه بنظرات تكاد تفتك به )
وليد
: ( بتلعثم ) أليس سنة الحياة .
عابد
: هذه الحياة الدنيا لا حاجة لي بها .. وذكري أمك الراحلة الفاضلة تكفيني
وليد
: وأنا .. ماذا يكفيني ؟
عابد
: يكفيك الصوم .. وإياك أن تحرك شفتاك بمثل هذا الحديث مرة أخري .. وعندما أموت أفعل ما يحلو لك .. ولكن أثناء حياتي  وولايتي عليك التي سأسأل عنها يوم الدين لن تتعرض لما يفتن دينك أو يقلل عزمك في العبادات .. هل فهمت ؟
وليد
: فهمت يا أبي ؟

( ينصرف الأب بخطوات غاضبة إلي داخل الخيمة بينما يتحرك الابن ليجلس أسفل جذع النخلة المبتور مطأطئ الرأس  مع موسيقي تعبر عن الموقف )
-  بعد لحظة يبدأ وليد في النظر من خلال ثقب في الخيمة
-  وليد يبتسم ويلتفت صوب الجمهور دون مباشرة
وليد
: نام ..

-          يتجه صوب جهاز التلفاز المغلق و يتخيل أنه يديره
-          وليد يقلب القنوات في خياله ويحرك لسانه مقلدا أصوات بعض المذيعين – قبل عشر سنوات – وينتهي عند قناة أغاني يتخيلها  
وليد
: آه .. قناة الأغاني .

-          وليد يضع نفسه مكان التلفاز ويبدأ في تقليد المطربة المعتزلة ( حنان )
وليد
: ( يغني ويرقص بطريقتها فربهما هي آخر ما شاهدة ) الشمس الجريئة .. والنسمة الرقيقة .  

: ( يستمر بحده أكثر في الرقص وأخطاء أكثر في الجملة اللحنية ) والضحكة البريئة .. والموجة الشقية .. ( يتوقف فجأة ) .. هذه الأغنية قديمة .. وتلك المطربة لم تكن ..... ربما هي توقفت عن الغناء الآن .. تري .. كيف صار الغناء في هذه الأيام .. تري .. كيف يغني العرب الآن

: ( يتخذ وضعا جديدا للغناء ويبدوا أكثر حماسا ) تصدق و للا أحلف لك .. عجز بلساني أوصف لك .. نعيم القرب في وصلك .. وأنت .. وأنت .. وأنت خبيث من أصلك .
وليد
: ( يتوقف ويبدوا متململا ) هذه الأغنية كانت لمطرب .. أنا أبغي الغناء لمطربة .. حسنا .. سأغنى نفس الأغنية ولكن بصوت مطربة جميلة .. رقيقة الملامح .. عيناها في سواد الليل .. شعرها .. في سواد الليل .. بشرتها .. في سواد الليل أيضا .

( يبدأ في تخيل نفسه مطربة ويبدأ في غناء نفس اللحن ولكن بصوت أنثوي ) تصدق و للا أحلف لك .. عجز بلساني أوصف لك .......

( مع استمرار التقليد تبدأ حبات مطر في التساقط مع وجود برق وصوت رعد خفيف فيساعده هذا الجو علي الاندماج ويبدأ بمحاولة معانقة  جسده الذي يتخيله جسد امرأة ويبدأ أيضا في تقبيل الهواء فيشعر في النهاية بنشوة )
وليد
: آه .. كم رائع هذا المطر .. إنه يتخلل حبات الرمال فيجعل ملمسها أكثر روعه .. سأشكل جسد امرأة .. وسأسميها .. سأسميها .. ليلي .. وسأحبها وستحبني .. وستقبل أن تعيش معي هنا في الصحراء .

( يبدأ في تشكيل جسد أمراه مع توالي سقوط المطر  وتزداد إثارته مع نحت النهدين و الخصر مع موسيقي حالمة )
وليد
: ( وقد انتهي ) ها قد حضرت أخيرا يا ليلي .. دعيني أرحب بك كما ينبغي لشاب فتى مثلي أن يرحب بجميلة مثلك .

( ينام فوق الرمال التي نحتها إنسان ويندمج في الأمر مع سماع دوي رعد قوي يسبقه برق عالي )
عابد
: ( الذي يظهر فجأة بباب الخيمة عابث الوجه ويقترب من ابنه الذي يفزع بمجرد رؤيته حتى أنه لا يستطيع النهوض ويهتم بإخفاء إثارته بين ملابسه  ) تزني .. ابني وليد العابد يزني .
وليد
: إنها حبات رمال يا أبي .
عابد
: لو كانت امرأة حقيقية لفعلت فيها نفس الفعل .
وليد
: إنها حبات رمال يا أبي .
عابد
: الخطيئة غاية بداخلك تنقصها الوسيلة .
وليد
: حبات رمال .
عابد
: وقع عليك حد الله .. مائة جلدة .
وليد
: ( يقوده أبوه إلي الجذع المبتور وينزع عنه جلبابه ويقيده ويمسك بسعفه ملقاة فوق الرمال ويهم بضربه ) أبي .. لن أفعلها مرة أخري .. أبي ..
عابد
: بسم الله .. أنفذ فيك  حد الزاني .. ( يضربه أول ضربه )
وليد
: ( متألما ) آآآه .. وهل ستنفذ في الرمال حد الزانية يا أبي .

إظـــــلام
اللوحة الثانية

المنـظر
: نفس المنظر السابق 

يضاء المسرح ليوحي بالليل والأب ( عابد ) يجلس أمام الخيمة  و (  وليد ) يجلس أمام الجزع المبتور مطأطئ الرأس .
عابد
: ( رافعا يده إلي السماء ) يا رب .. تقبل توبة ولدي وحيدي وليد .. ولا تكتبه عندك عملا غير صالح كابن نبيك نوح .. يا رب أربعون ليلة مضت وولدي يستغفرك وأنا أستغفر له فتقبل منا إنك أنت التواب الرحيم  ( يتنهد ) اقترب يا وليد .
وليد
: ( يقترب والخجل يكاد يقتله ) أمرك يا أبي .
عابد
: تستطيع أن تجلس الآن بجواري ومن الغد سنعود بإذن الله نصلي معا .
وليد
: هل غفر الله لي يا أبي ؟
عابد
: يا ولدي .. ألم تقرأ في القرآن الكريم قول الله تعالي علي لسان السيد المسيح "" تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك "" نحن لا نعلم ما في نفسه سبحانه .. ولكني قد رضيت عنك .. ورضاء الرب من رضاء الأب .
وليد
: ( كمن وجد طوق نجاه ) أحقا سامحتني يا أبي .
عابد
: وهل لي سواك في الدنيا بعد الراحلة الفاضلة أمك .. ألا تدري يا فتى كم أحبك .
وليد
: ( ببراءة ) أحقا تحبني يا أبي .
عابد
: ( بدهشة ) أتشك في هذا ؟
وليد
: ولكني .. ولكني لا أحيي حياة طبيعية .. ولقد سئمت من حياة العزلة من دون الناس .. نستطيع أن نعود يا أبي دون أن نفتن في ديننا
عابد
: ( بسخرية ) نعود ولا تفتن .. أنت قد فتنت هنا .. هنا .. أنسيت عشيقتك .. ( ينطق الاسم ببعض المرارة ) ليلي .. ليلي .. ألم تجد غير هذا الاسم .
وليد
: أبي .. تستطيع أن تصلح الأمر وتزوجني إياها .
عابد
: وكيف أزوج ولدي الوحيد لامرأة زانية .
وليد
: سيغفر لها الله كما سيغفر لي .. أبي .. أنا أحبها .. زوجها لي يا أبي .. أتوسل إليك .
عابد
: هل جننت يا ولد .. تتزوج حبات رمال شكلتها أنت والمطر .
وليد
: لم إذن وقعت علي الحد مادامت حبات رمال ؟!!
عابد
: ( لحظة صمت )  اسمع يا وليد .. أعلم أمر الرغبة المتأججة في سنوات الشباب .. وأعلم حاجتك لامرأة تحتوي رجولتك .. ولكن اعلم أن عمر الشباب يمضي أسرع مما تتخيل .. وهذه الرغبة ستموت في جسدك قبل أن يفني بسنوات .. فلا تضيع جهد خمسة عشر عاما من أجل رغبة قد لا تستمر مثل هذه المدة .. وأعلم أيضا أن الله سبحانه يقرر أمرك في السماء .. وأنا أقرره علي الأرض .. والله أبدا لم يقضي أمرا ورجع فيه .. وأنا أيضا لن أرجع فيما قررت .. وأنت لا تملك إلا طاعتي .. ومصاحبتي في الدنيا معروفا .. وعندما أموت  تفعل أنت ما تريد .
وليد
: الحق أقول لك يا أبي أني أسأل الله أن أسبقه إليك .. فأنا لا أعرف الدنيا إلا بك .. ولا أدري ماذا سأفعل بدونك .. أحيانا أسأل نفسي يا أبي إن كنت أحبك .. وأجيب بأن ما يربطني بك أقوي من كلمة الحب .. فالإنسان كما سمعت منك أبدا لم يتحدث بحب الهواء الذي بدونه سيموت في لحظات .. لان ما يربطه به أقوي من كلمة الحب .. لذا فأنا لا أحبك يا أبي .. أنا أتنفسك .

( ينتبهان لصوت نهنهة امرأة من الصوت تبدوا شابه وتبدوا أيضا متهالكة )  
عابد
: بسم الله الرحمن الرحيم .. أتسمع هذا الصوت .
وليد
: ( بعد لحظة يتأكد فيها مما يسمعه فيتهلل وجهه ويكاد يطير ) صوت امرأة
عابد
: ( الذي يقف وبحزم ) انتظر وإياك أن تتحرك .

( يدخل الخيمة ويخرج حاملا كشافا كهربائيا – بطارية - ) سأبحث عن مصدر الصوت .. أبق أنت هنا .
وليد
: ( الذي يكاد يجن ) أبي .. سأذهب معك .. ولا تقول غير ذلك أرجوك .. إنها امرأة ( متداركا ) قد تكون من الجن .. أنت تعلم الصحراء .. فدعني أصرفها معك .
عابد
: ( بسخرية ) الجن !! أنا أصلي صلاة تزعج إبليس في مضجعه .. ولكن لا بأس .. تعالي معي . 

( ينير الكشاف ويتحرك إلي أحد أركان المسرح حيث أحد الكثبان الرملية وكلما اقتربا يزداد وضوح صوت نحيب المرأة  وتزداد الإضاءة باتجاه سيرهما – وينتهيان إلي فتاة غاية في الجمال ممزقة الملابس يفزع عابد لرؤيتها )
عابد
: بسم الله الرحمن الرحيم .
وليد
: (  مبهورا بجمالها ) تبارك الخلاق العظيم مجيب الدعاء .
عابد
: ( وقد لاحظ ملابسها الممزقة ) در وجهك يا ولد .
وليد
: لا أستطيع يا أبي .
عابد
: أنا آمرك بذلك .
وليد
: وأنا فقدت القدرة علي تحريك عنقي .
عابد
: تحرك بقدميك .
وليد
: لم أعد أملك جسدي كله .
عابد
: ( ملتفتا إلي الفتاه ) هل أنت جنية .
ليلي
: ( بصوت مبحوح ) أنا أنسيه .
وليد
: ( بتنهيدة محب ولهان ) أنسيه .
عابد
: ( يلكزه ) إذن سيري خلفنا حتى الخيمة .. وانتهي علي بعد خطوات منا حتى نعرف حكايتك دون النظر إلي مفاتنك .
ليلي
: كما تشاء يا سيدي .

( عابد يقود وليد باتجاه الخيمة ويلكزه كلما هم بالالتفات صوب الفتاه حتى ينتهيا أمام باب الخيمة )  
عابد
: والآن نحن سنجلس هنا وأنت ستجلسين خلفنا .
ليلي
: أمرك يا سيدي .
عابد
: ( يجلس ويجلس ولده بحيث يكون في الجهة الأخرى من الفتاة ليراقب نظراته ) وأنت اجلس هنا وإياك أن تنظر إلي الفتاة .. وتذكر ما حدث منذ أربعين ليلة مضت .  
وليد
: ( يهم بقول شيء ) أبي .. أبي …. الأمر كما تريد يا أبي .
عابد
: ( يبدأ بلهجة المحقق ) من أنت ؟
ليلي
: ( بنعومة ) أنا ليلي .
وليد
: ( يقف ويكاد يرقص ) ليلي .. ليلي .
عابد
: اجلس يا ولد ولا تضطرني لفعل يغضبك .
وليد
: ( يجلس بسرعة رهيبة دون أن ينطق ببنت كلمة )
عابد
: هل لك أن تخبرينا بقصتك .
ليلي
: ( التي تبدأ بنهنهة ) أنا فتاة عراقية .. جئت إلي هنا بحثا عن حياة أفضل بعدما فقدت الأب والأخ في حرب لا شأن لي بها .
وليد
: ( يلتفت لها متعللا بدهشته ) هل قامت حرب جديدة في العراق .. هل فعلها صدام من جديد ودخل دولة الكويت .
عابد
: سأخبرك أنا بما حدث ولكن لا تلتفت ثانية صوب الفتاة .
وليد
: عذرا يا أبي .. ولكن كنت أعتقد أنه وعي الدرس جيدا .. لكم الله يا إخوان العراق .. لكم الله .. فنحن نحبكم كثيرا جدا .. جدا جدا .. نحن نتمناكم .. نتمنى الخير لكم .
عابد
: ( لوليد ) هل انتهيت ؟
وليد
: نعم يا أبي .
عابد
: أكملي يا ….. يا فتاه .
ليلي
: اسمي ليلي يا سيدي .
عابد
: نعم علمت .. أكملي .
ليلي
: بعد الحرب خشيت علي عذريتي من الغزاة المحررون !! ( تبدوا الدهشة علي وجه وليد ولكنه لا يتكلم ) فبعد نهاية الحرب بأيام قليلة لم نكن نسمع سوي حكايات الاغتصاب الوحشي لعراقيات ماجدات .. كانوا يتلذذون بنا بطريقة غريبة .. وكأنهم لا يجامعون أجسادنا فقط .. بل يجامعون عروبتنا وإسلامنا أيضا .
وليد
: ( يكاد ينفجر من الغضب ) هل حقا حدث هذا يا أبي .
ليلي
: ( التي تسبق بالرد ) حدث ومازال يحدث .. لقد نثروا بذورهم في أحشائنا .. والنخوة والشهامة تتابع المشهد علي استحياء .
وليد
: أبي .. تكلم .. هل كل هذا يحدث .
عابد
: نعم .. و يحدث أيضا ما هو أقسي من هذا و أبشع .. ولهذا السبب وغيره نحن هنا بعيدون عن هذا العالم .
وليد
: ولكن العالم يأبي إلا أن يأتي إلينا بأخباره ألعفنه .. لماذا لا يتعلم الإنسان رغم تجارب القرون ورسالات السماء .  
ليلي
: ( تبدأ في التحرك مستغلة تأثير حديث الهزيمة علي نفسية الرجال ويكون تحركها أنثوي ) الجسد أيها الفتى القوي هو عدو الروح .. ونافذة الشيطان التي اعتاد الدخول منها .. ألم تُلح عليك رغباته  .. ألم تنحي العقل يوما استسلاما لثورته .
عابد
: وأنت ، هل فعلت ؟
ليلي
: قلت لك يا سيدي أني جئت إلي هنا إنقاذا لعذريتي .. فاكتشفت أني ما جئت إلا هروبا صوب نفس المصير .
وليد
: إذن أنت ......
ليلي
: مغتصبة .
عابد
: ومن فعلها .
ليلي
: شاب مستهتر .
عابد
: اللعنة علي الشباب .
ليلي
: ورفيقه العجوز المتصابي .
عابد
: وكيف نتأكد .
ليلي
: أخلع أمامك ملابسي فتري آثار جريمتهم علي جسدي .. فتحكم بنفسك إن كانوا نالوا ما نالوه مني برغبتي .. أم بعد مقاومة أنهكتني
وليد
: نعم .. افعلي .
عابد
: ( لوليد ) إلي هذا الحد ينقصك الحياء .
وليد
: فقط أريد أن أتأكد .
ليلي
: تتأكد من صدق قصتي ؟ .. أم من صدق خيالك المفتون بجسد المرأة ؟
عابد
:( الذي يبتلع لعابه وقد أثارته ) تأدبي  فأنت تتحدثين إلي رجال.
ليلي
: عفوك يا سيدي .. فالمرأة المغتصبة تري العالم دون أقنعته .
عابد
: نعود إلي قصتك .. فهذا أفضل لك ولنا .  
ليلي
: لم يعد فيها جديد مشوق .. فبعد ما خطفوني إلي صحراءك هذه نالوني مرات ومرات .. وفعلوا كل ما كان يداعب خيالهم .. لم يتركوا شيء لم يفعلوه معي .. ثم تركوني وفروا بسيارتهم الفارهه .. فقررت ألا أموت إلا بعد أن أشهد العالم علي فعلتهم .. وها قد أخبرتكم وأشهدتكم .. ولم يبقي لي سوي الموت يداوي مأساتي .
وليد
: لا .. لا يجب أن تموتي .
ليلي
: وكيف أحيا بعاري .
وليد
: بل هو عار هذا العالم .
ليلي
: لا أختلف معك .. ولكني سئمت الحياة ( تقترب من عابد ) أرجوك يا سيدي دع هذا الجسد يهدأ ( تشير إلي جسدها بطريقة مثيرة ) دعه يزف إلي الثري .. دعه يعانقه .. دعه يقبله قبلة طويلة تدوم إلي الأبد .
عابد
: ( وقد نالت منه ) ماذا تقصدين ؟
ليلي
: اقتلني يا سيدي .. هذا الجسد الذي لم تشبع رغبته إلا غدرا  دعه يرتاح .
عابد
: لا يحق لي .
ليلي
: كذلك ما كان يحق لهم .
وليد
: انسي ما كان .
ليلي
: كيف وما عادت لي حياة .. لم يبق لي مكان . 
عابد
: اسمعي .. سأبقيك هنا حتى يلهمني الله في أمرك أمرا .. واعلمي أننا هنا فقط لنعبد الله .
وليد
: ( محاولا إخفاء سعادته ) إنها تحتاج إلي ملابس جديدة وبعض الأشياء .
عابد
: ( لحظة صمت ) باكر أسافر إلي المدينة وأشتري ما تحتاجه .. ( لوليد ) وأنت ستأتي معي إلي المدينة .





إظــلام

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الكلاب الايرلندي / الجزء الاول

الكلاب الايرلندي / الجزء الثالث

الكلاب الهندي