الحرافيش / عن رواية نجيب محفوظ / الجزء الثاني


اللوحة الثالثة

المنظر

نفس المنظر السابق

يضاء المسرح وعاشور يجلس في بؤرة ضوء مع سكينه 

عاشور

: يعني لازم ترحلي يا أمه .

سكينه

: أهلي أولي بيا يا حبيبي .

عاشور

: هو انت موش ليكي ميراث في الدار ده من الشيخ زيدان الله يرحمه

سكينه

: طيب آكل منين يا ضنايا .

عاشور

: أنا هآشتغل وهاجيبلك الأكل اللي انت عاوزاه .

سكينه

: انت لسه نبت صغير يا عاشور .. وأنا موش عاوزه أشيلك همي .

عاشور

: طيب خديني معاكي .. ما تسيبينيش هنا لوحدي مع درويش .

سكينه

ياريت كان بإيدي يا ضنايا .. لكن انت عرفت الظروف .. والبني آدم تقيل مهما كان .. وأهلي ما يعرفوش حكايتك و….

عاشور

: خلاص يا أمي .. ارحلي .. وأنا معايا ربنا .

سكينه

: ونعم بالله يا ضنايا .. أوعي تنسي كتاب الله اللي حفظهولك الشيخ زيدان .. و أوعى تنسي نصايحه .. وأقعد هنا في الدار وما تسيبوش .. ولو درويش كلمك .. قوله أنا قاعد في نصيب أمي سكينه .. اللي الود ودها كانت تموت ولا تفارقكش يا ضنايا ..
( تعانقه وتبكي وتبدأ موسيقي موحية )

عاشور

: أشوف وشك بخير يا أمه .

سكينه

: أشوف وشك بخير يا ضنايا .. ( تخرج من المسرح )

عاشور

: ( يتحرك إلي حيث يوجد النبوت ويبدأ في ممارسة التدريبات التي كان يعلمه إياها الشيخ زيدان
– يدخل درويش ويتأمل الصبي ويلاحظ قوته الطبيعية )

درويش

: بتعمل إيه يا واد يا عاشور .

عاشور

: أنا قاعد هنا في نصيب أمي سكينه .

درويش

: هوه أنا بقولك قاعد ليه .. وللا  بقولك بتعمل إيه .. وبعدين أنا مايهمنيش حكاية نصيب سكينه .. أنا لو عاوزك تسيب الدار هاخليك تسيبه .

عاشور

: أمال انت عاوز مني إيه .

درويش

: عاوز أشغلك .. علشان تآكل عيش .. وللا انت عاوز تفضل كده زي الحريم .

عاشور

: بجد يا عمي .. قصدي يا معلم درويش .. عاوز تشغلني شغلانة آكل منها عيش بالحلال .

درويش

: انت تطلع معايا الليلادي .. واللي أقولك عليه تعمله و انت ساكت .. ولو فتحت مخك .. هاتاكل عيش .. ولو ضلمته .. ها طردك من الدار .. وابقي خلي سكينه ترجع من عند أهلها علشان تقعدك في نصيبها .. قلت إيه .

عاشور

: قلت هاطلع معاك بالليل .
اظــــلام

اللوحة الرابعة

المنظر

 ساحة التكية
المنشدين ينشدون بجوار سور التكية وفي الخلفية ظلال شجر التوت .

المنشدين

( أناشيد دينية تراثيه يمكن أن يصاحبها رقصة التنوره )
( يدخل عاشور بصحبة درويش )

عاشور

: اللهم صلي علي النبي .. أناشيدهم تشرح القلب يا معلم درويش .

درويش

: بقولك إيه .. أنا موش جايبك هنا علشان ينشرح قلبك .. إحنا هنا علشان الشغل يا خفيف ..

عاشور

: بس انت لغاية دلوقتي موش عاوز تفهمني إيه الشغلانة اللي ها نشتغلها .

درويش

: أما انت صحيح جسم بغل وعقل عصفوره .. بقي لغاية دلوقتي ما فهمتش ها نشتغل إيه .

عاشور

: لأ مفهمتش يا معلم .

درويش

: علي العموم لما يروق الجو .. هاتفهم كل حاجه .

المنشدين

: ( يعودون إلي الإنشاد )
( يقترب السمانى وهو من رجال الفتوه قنصوه  يحمل نبوتا فخما يدل علي شدة قربه من الفتوه وكذلك يدخل من الجهة الأخرى زين الناطورى وهو من التجار )

السمانى

: ( وقد تأمل بنيان عاشور ) انت مين ياوله ؟

درويش

: ده عاشور ابن الشيخ زيدان أخويا الله يرحمه .

السمانى

: بس إحنا عارفين إن الشيخ زيدان ماكانش بيخلف يا درويش .. انت بتكذب علي السمانى الدراع اليمين بتاع الفتوة قنصوه فتوة الحارة .

درويش

: ومين يقدر يكذب على فتوة حارتنا أو علي المعلم السمانى دراعه اليمين .. مين حتى يقدر يكذب علي أصغر واحد في عصابة الفتوة .

السمانى

: عصابة الفتوة مفهاش حد صغير يا درويش .

درويش

: كلهم كبار في مقامهم ومقام فتوتهم .. كل الحكاية يا معلم إن عاشور ده واد غلبان ويتيم .. وأخويا الشيخ الله يرحمه لقاه مرمي في حضن الليل وهو ابن يوم .. فخده ورباه زي ما يكون ابنه تمام .. ومن ساعتها وهوه بين الناس عاشور ابن زيدان .

السمانى

: باين إن بركة الشيخ حلت عليه .. وكبر وبقي تور يجر ساقيه .. لأ .. تور يجر عشر سواقي .. بقولك يا واد .. انت أبواب السما انفتحت لك الليلادى .. أنا هآخدك معانا .

عاشور

: هاتاخدني علي فين .

السمانى

: ( بعد ضحكه فيها افتعال ) هاخدك علي فين .. علي سراية الخديوي عباس حلمي .. وللا أقولك .. هآخدك في سفينه و أوديك بلاد الفرنساويه تتعلم زي الشيخ رفاعة الطهطاوى .

عاشور

: بس أنا موش عايز أركب البحر .. وبعدين الشيخ زيدان الله يرحمه علمني كتاب الله وحفظهولي .

السمانى

: ( بعد ضحكه أخري ) ده انت باين عليك غشيم علي الآخر .. يا واد أنا هاخدك للفتوة قنصوه علشان تبقي واحد من عصابته .

عاشور

: ( يصمت قليلا ويرتفع صوت الإنشاد ) .. اسمع يا معلم سماني .. أنا مليش في شغل الفتونه .
 ( تبدوا الدهشة علي الناطورى الذي يتابع هذا الحوار )

السمانى

: قصدك إيه يا وله .

عاشور

: قصدي شوف حد غيري .. أنا منفعكوش .

السمانى

: ( وقد احمر وجهه من الغضب ) بقي كده .

درويش

: سيبك منه يا معلم سمانى .. ده موش وش نعمه .. وبعدين ده قلبه خفيف .. و بيترعش من خياله .. طب أقولك علي سر .. البغل اللي قدامك ده بيخاف من الضلمة .

السمانى

: هأأو .. بيخاف من الضلمة .. انت حرمه يا وله وللا راجل .

عاشور

: أنا راجل .. بس موش هاشتغل مع الفتوة .

الناطورى

: سيبه في حاله يا معلم سمانى .. وبعدين هيه العصابة ناقصة .. دي بقت جيش ولا جيش عرابي .

السمانى

: و انت إيه اللي دخلك في الكلام يا ناطورى ..  وبعدين فين الإتاوه اللي عليك .. وللا عايز تجارتك تخرب .. والحمارة اللي بتتعكز عليها تتسمم في ليله غابرة .

الناطورى

: أنا حبيت أكون محضر خير يا معلم .. الواد ده باين عليه غلبان .. وبعدين الإتاوه هاتكون عندك بكره ومتآخذنيش علي التأخير .

السمانى

: أيوه كده اتعدل .. وكل نفر في الحارة دي يحط لسانه في بقه ويمشي جنب الحيط .. فاهمين يا جرابيع .. ومن الليلادي محدش يسهر بره البيت .. هتناموا في بيتوكم من المغرب زي الفراخ لمدة تلت تيام لحد ما يشوف فيكم الفتوة الرأي اللي يرضي هواه .. علشان تبقوا تعرفوا إزاي تتدخلوا في اللي ملكوش فيه .

الناطورى

: طب أنا غلطت يا معلم .. الحارة ذنبها إيه ؟

السمانى

: هوه كده .. العاطل في الباطل لحد ما تتعلموا الأدب يا حارة موش متربية .. ( ملوحا بنبوته ) يللا غوروا علي بيوتكم وإياك حد فيكم يخرج من داره .. ( ينصرف الجميع مسرعين ويبقي درويش وعاشور ) اسمع ياله يا عاشور .. لو فكرت في يوم من الأيام ترفع راسك في الحارة دي هانطيرهالك .. وأوعي تفتكر جسمك الكبير ده ها ينفعك .. مفهوم .

درويش

: طبعا مفهوم يا سيد المعلمين .. بس إحنا عايزين نستأذنك في مشوار للقرافة نقري الفاتحة علي روح المرحوم أخويا الشيخ .. أصله زارني في المنام وأنا مقيل ساعة العصاري وطلب مني أزوره وأقراله الفاتحة .

السمانى

: إذنك مقبول يا درويش كرامه للشيخ الله يرحمه .. بس ماتعوقوش .. ( يرفع نبوته بحركة استعراضيه ويتحرك إلى خارج المسرح )

درويش

: أمرك يا سيد المعلمين .. وسلامنا لفتوتنا حامي حارتنا ورافع راسها .

عاشور

: بجد يا معلم درويش أبويا الشيخ زارك في المنام .

درويش

: انت هاتفضل عبيط كده ياله لحد إمتي .. دي حيله علشان نفضل هنا نشوف شغلنا .

عاشور

: وشغل إيه اللي هانشتغله بعد ما فضيت الحارة علينا .

درويش

: مهو اللي حصل ده عز الطلب .. اسمع يا عاشور .. أنا عايزك تستخبي معايا ورا التعريشة دي وتقطع النفس خالص .. وكل اللي مطلوب منك الليلادي انك تأمن لي ظهري لو احتجت حماية .. ولو شفت حد جاي من النواحيدي إديني صوت .. أقولك .. صفر لي .. تعرف تصفر .

عاشور

: أيوه .

درويش

: تمام .. فهمت بقي يا بغل إيه المطلوب منك ؟

عاشور

: فهمت .. لكن موش عارف ليه كل ده .

درويش

: يا واد اصبر .. انت معندكش صبر.. كلها شويه وتشوف بعينك كل حاجة .. وساعتها ابقي اختار ..
( يختبئان خلف التعريشة وتتغير إضاءة المسرح ولا تمض ثوان حتى يقترب شيخ عجوز يمتطي حمار ويحرك شفتيه بكلمات يذكر فيها الله فيخرج  له درويش وقد توسط الشيخ المسرح ويجذبه فيقع من فوق الحمار ثم يبرك درويش فوقه ويطبق علي رقبته حتي يكاد يختنق )

الشيخ

: الرحمة .. إيدك هاتخنقني .

درويش

: هات الصرة اللي معاك أحسن روحك تطلع في إيدي .

الشيخ

: حرام عليك .. ده قوت عيالي .

درويش

: يبقي ها يطلعوا عليك القرافة بكره .
 ( يزيد من سطوة قبضته فيتأوه الشيخ ويحمر وجهه ويكاد يختنق )

عاشور

: ( الذي يندفع إلي الأمام بلا وعي ) سيبه يا معلم درويش .

درويش

: اخرس يا بغل وما تنطقش اسمي .

عاشور

: بقولك سيبه .

درويش

: ملكش دعوه  وروح علي الدار .

عاشور

: ( يرفعه من فوق الشيخ الكهل ويلقي به في الهواء دون عناء فيسقط علي ظهره ويحدث ارتطامه في الأرض دويا مسموعا )

درويش

: آه .. طيب يا ابن الزواني .. أنا هاربيك .

عاشور

: ( يساعد الشيخ علي النهوض وركوب الحمار ) .. امشي انت يا عم الشيخ .. وانسي اللي حصل كله وما تجيبش بيه سيره لحد .

الشيخ

: حاضر يا بني .. ربنا يباركلك في عافيتك .. حااا .
( ينصرف الشيخ مسرعا وبعد انصرافه يذهب عاشور إلي درويش ويساعده علي النهوض ) .

عاشور

: ما تزعلش مني لو كنت نشفت عليك .

درويش

: آه يا جاحد يا ابن الزواني .

عاشور

: انت بتقولي كده ليه .. أنا أنقذتك من شر نفسك .

درويش

: انت فاكر نفسك مين يا حيوان يا بغل ؟ انت لقيط ابن زنا .. أخويا لقاك مرمي علي باب جامع وهوه رايح يصلي الفجر .. تقدر تقولي ليه أمك رمتك علي باب الجامع .

عاشور

: انت كداب .. أمي اللي ولدتني ودتني للشيخ زيدان قبل ما تموت علشان ملهاش حد .

درويش

: صدقت الكذبة اللي كذبتها عليك سكينه .

عاشور

: أمي سكينه ما بتكدبش .

درويش

: انت جبان .. موش عاوز تصدق الحقيقة .

عاشور

: أنا موش جبان يا درويش .

درويش

: تحب أثبت لك .. الدليل أهوه ( يطلق يده في الهواء ويسقطها علي وجه عاشور بجامع قوته ) يا جبان يا بغل .

عاشور

: ( يرفع يده في الهواء ويرد له الصفعة فيسقط درويش مغشيا عليه – عاشور يقترب منه ويتأمله ثم يرفع رأسه إلي السماء ) سامحني يا شيخ زيدان .

إظــــلام

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الكلاب الايرلندي / الجزء الاول

الكلاب الايرلندي / الجزء الثالث

الكلاب الهندي