اوديب يحكم العالم / الجزء الثاني


اللوحة الخامسة
المنقذ

المكان  : جبل كيثايرون
المنظر : أمام أحد الكهوف حيث يجلس أوديب سوفوكليس يتأملان السماء
            التي يتساقط منها جليد ، يسمعان أصوات رعد ويريان ضوء
          البرق .
أوديب
: لماذا يفعل بنا زيوس كل هذا ؟
سوفوكليس
: ماذا تقصد ؟
أوديب
: يسقط علينا جليدا في صفاء قلب الرضيع ، ويمد أمامنا حقولا بلون أخضر بديع ، ويظللنا بسماء زرقاء هي جنة العاشق وأودية المتأمل ، كل هذه الأشياء وغيرها تملأ النفس بهجة وتبعث الراحة في الصدور ، وكأن الإنسان خلق ليغنى للجمال ، ثم تختلف الأمور فجأة و تكتسي السماء بحمرة جافية وتكشر عن برق يخطف الأبصار ورعد يصم الأذان ، وكأن الإنسان قد خلق سجينا للآلام .
سوفوكليس
: هذه حكمة ، ومهما بلغت سعة أفقك  لن تستطيع أن تفهم ، ولكي أقرب لك الصورة تخيل معي كم مرة ينير فيها البرق طريق الخائف التائه ، كم مرة أرهب فيها البرق  وحش كان على وشك أن يفترس ضحية ، تخيل أيضا كم مرة واست فيها الغيوم عاشق فقد حبيبته ، وكأنها تقول له .. هناك قمر آخر .. قادم في الطريق إليك ، ولكن  في يوم جديد ، أو ربما في ربيع آخر .
أوديب
: وأنا .. بماذا ستخبرني الغيوم .
سوفوكليس
: سوف تسألك سؤالا بسيطا .. كم عمر أحزانك بالنسبة إلي عمرك ، ست شهور .. سنه ، أخبرني  وحق زيوس عن حجم السعادة التي شعرت بها وأنت تحل لغز الوحش ، كيف كان إحساسك طوال اثنتا عشر عاما كنت فيها تحكم طيبة ، كيف كان وأنت تغرس البسمة فوق شفا ه بسيطة ، هل يعقل أن مأساة عمرها فقط سنة تنسيك كل انتصارات الماضي .
أوديب
: ولكنها ستترك مرارة تتوارثها سنوات عمري الباقية.
سوفوكليس
: هذا إذا سمحت أنت بذلك .
أوديب
: وماذا على أن أفعل .
سوفوكليس
: شيء واحد فقط فيه خلاصك .. صدقني يا أوديب فأنا أعرفك جيدا ، أعرف مفاتيح شخصيتك ، في العمل يا أوديب خلاصك ، العمل الصالح الذي يسمو فيه الإنسان فوق رغباته الخاصة كي يهب الآخرين الطريق .
أوديب
: كإنقاذ كورنثه من الوحش .
سوفوكليس
: هذه مجرد بداية .. بعدها تستطيع أن تختار لنفسك طرق أخري .. ميادين جديدة .
أوديب
: وهل سيتركني زيوس .
سوفوكليس
: زيوس سيباركك .
أوديب
: لا أصدق .
سوفوكليس
: صدق يا أوديب ..إن كنت تريد النجاة .
أوديب
: نجاه من الموت ، أو من فقء العينين .
سوفوكليس
: لقد أخبرتك بما بداخلي .. فقط تدبر ما سمعت .
(تدخل روزاليس ومعها طير مشوي وخلفها أرتميسيا وهى تحمل الشيء ذاته لسوفوكليس وأديب )
روزاليس
: فكرنا في أن الجوع قد بلغ منكما مبلغا صعبا فقررنا إعداد مفاجأة لكما .
أرتميسيا
: ونرجو أن نكون قد وفقنا ( تقدمان الطعام ) .
سوفوكليس
: ( وقد أثارته رائحة الطعام ) مستحيل .. أريد أن أفهم كيف ومتى استطعتما تحقيق هذه المعجزة .. خصوصا في هذا الجو .
روزاليس
: أما متى فلقد قفزت الفكرة في رأسي حين شعرت بأن النقاش سيحتدم بينكما كعادتكما في الأيام الأخيرة ، أما كيف ، فلا تسألن ، لأن الفخاخ وصيد الطير ، وإشعال اللهيب كلها أمور أتقنها بحكم مهنتي .
سوفوكليس
: روحك جميلة .. وجمال الروح هذا يشع من عينيك .
روزاليس
: ترى ، هل لمولاي أوديب نفس الرأي في روزاليس .
أوديب
: أوديب يريد أن يعرف كيف تتحدثين عن مهنتك هكذا دون حياء .
روزاليس
: مولاي .. أنا أنكر عليك دهشتك هذه ، ولا أنكرها إلا لسابق علمي بحسن فطنتك ، ومن حسن الفطنة أن يدرك الإنسان أنه لا يرى الدنيا إلا من خلال زاويته التي يقف عندها ، لذا يا مولاي لا يرى الإنسان إلا أنصاف الحقائق ، ونصف حقيقتي أنني غانية ، أما النصف الآخر فربما يكون ما قاله الصديق ( تشير إلى سوفوكليس ) وأنا لا أخجل من نصف حقيقتي يعرفه الجميع لأن ذلك لا ذنب لي فيه .
أوديب
: أراك تستسلمين لهذا الاعتقاد .
روزاليس
: لقد قصصت عليكم قصتي ، فهل كان لي مهرب من هذا المصير .
أوديب
: نعم .
روزاليس
: أقتل نفسي إن كنت تعنى ما تقوله .
أوديب
: لا حاجه لهذا .
أرتميسيا
: ( لسوفوكليس ) إنها تكتوي بنار حبه ، وهو الآن يقتلها دون أن يشعر .
سوفوكليس
: سأحاول تهدئة الموقف .. ( لأوديب ) ما رأيكم لو نتذوق الطعام أولا .. وبعدها نكمل الحديث .. فأنا لم أذق طعاما منذ آلاف السنين .
روزاليس
لا .. بل أسمع أولا ماذا كان بوسعي أن أفعل .
أوديب
: كان بوسعك أن تهربي .
روزاليس
: إلى أين .
أوديب
: إلى حيث لا تعطين راضية بما كان يأخذه منك صاحب الدين مكرهة .. تهربين إلى مدينة أخرى .. عالم آخر.. الأرض تحمل قوتا يكفي الجميع ، فلا يتعلل أحد بقوت يومه . ( تتجه إلى الكهف باكية )
أرتميسيا
: ( تهم خلف روزاليس ويظهر الراعي أمام باب الكهف في مقابلة روزاليس )
الراعي
: من يظن نفسه ذلك السفاح الذي أرسل هذه اللآلئ على هذا الوجه الصبوح .
سوفوكليس
: ( وقد رأى شيئا أسفل الجبل ) يا زيوس .. جنود كريون .
أرتميسيا
: وكيف عرفت بوجودنا هنا .
الراعي
: لقد سمعتهم يقولون إن زيوس قد أرسل لهم رسولا من معبد دلف وأخبرهم عن مكان أوديب .
سوفوكليس
: ( الذي يتأمله وكأنه يحاول التعرف عليه ) وأنت كيف سبقتهم إلي هنا ؟
الراعي
: أنا أعرف بدروب هذا الجبل أكثر من أي فرد على وجه الأرض .
سوفوكليس
: انتظر .. أنت الراعي اللي أنقذ أوديب منذ خمسة وثلاثين عاما .
الراعي
: نعم .. ولكن كيف عرفت !!
سوفوكليس
: هكذا تخيلتك .
الراعي
: لابد أن خيالك غاية في الدقة .
سوفوكليس
: وهذا سر شقائي .
الراعي
: تعددت الأسباب والمتاعب قائمة .. ليس فيها يا ولدى من لا يعانى ولا يتألم وهذا هو قانون الحياة على هذا الكوكب .. مهما أوتى الإنسان من مال أو صحة أو سلطان ، لابد أن يصاب أيضا بما يؤرق مضجعه ، والأمر الغريب أن شيئا لا يؤرق مضجعي إلا الجو الصحو .. أتدرون لماذا ؟
أرتميسيا
: لماذا أيها العجوز الطيب .
الراعي
: لأن الذئاب لا تخرج للصيد حين يكون الجو عاصفا ممطرا .
روزاليس
: أنت تكره الربيع إذن .
الراعي
: لا تذكريني به يا ابنتي ، فإن ذكرياتي مع الربيع ذكريات قاسية ، فكم من نعجة دق لها قلبي وأعجبني حماسها للحياة وانطلاقها بين المراعى إلا وقتلها ذئب في الربيع .. وليته يترك لي بعضا منها أواريه التراب ، وأجعل له شاهدا أبكى همومي عنده فتقل سطوتها .
أرتميسيا
: أو يلتهمها كلها .
الراعي
: ولم لا والذئب يقضى الشتاء كله وهو جائع .
أوديب
: يا لها من مأساة .
سوفوكليس
: هذا ليس وقت الحديث عن المآسي .. لابد أن تجد لنا مخرج الآن وعلي الفور .. لقد فعلتها من قبل أيها الراعي عندما كان أوديب طفلا عمره أيام .. و لابد أن تفعلها اليوم أيضا وهو رجل يافع .
الراعي
: أنا أعرف دربا ضيقا يخترق أشجارا كثيفة أنبتها زيوس في بطن الجبل .. أستطيع أن أدلكم عليه .
روزاليس
: حسنا تفعل .
الراعي
: بل سيئا أفعل .
سوفوكليس
: لا تخش من كريون .
الراعي
: أنا لم أخش لايوس نفسه قبل خمسة وثلاثين عاما .. وكنت أعرف أن الطفل الملقى على الجبل هو ابنه .. وكنت أعلم النبوءة من الرسول الآتي من معبد دلف .. فأنا عادة أقابل رسل المعبد ، وأتسامر معهم ، فاعلم يا رجل أنى لا أخشى من شيء على وجه الأرض ، سوى الذئب .
سوفوكليس
: أنت رجل جسور .. فلتدلنا علي الطريق الآن .
الراعي
: لا يوجد على الأرض راع غير جسور .
سوفوكليس
: يا زيوس .. دلنا على الطريق و لا تضيع الفرصة وكفي إهدارا للوقت .
الراعي
: ونحن معشر الرعاة أكثر الناس حرصا على الوقت .. فالأغنام إذا لم تخرج للمراعى مع أول ضوء للشمس تفقد قدرا غير يسير من شهيتها للطعام .. وأيضا إذا لم تسق للمبيت مع آخر ضوء ، تخرج ما أكلته ولا تستفيد منه شيئا ، أما الفرص يا ولدى .. فلا تضيع أبدا .
أوديب
: كيف أيها الراعي .
الراعي
: لأن ما فاتك ما كنت لتدركه أبدا مهما أشقيت نفسك طلبا له ، فالذئب حين يخرج لــــ ..
سوفوكليس
: ولكننا مطالبون بالبحث عن الأفضل .. والمحاولة دائما .. واستمرار : المحاولة أليس كذلك ؟
الراعي
: ومن ذا الذي يشك في هذا ، وإلا فما جهدنا نحن الرعاة مقاومة للذئب.. أعترف بأنها  تصيب منا ونحن نصيب منها .. ولكننا نخوض هذه الحرب بنفوس هادئة وقلوب راضية وهذا هو الفرق .
سوفوكليس
: اللعنة .. عليك أن تدرك يا هذا أني الآن هادئ .. وراضى .. هل من الممكن أن تدلنا الآن على الطريق .
الراعي
: ( بعد نظرة لسوفوكليس ) الدرب الذي أحدثكم عنه ينتهي عند الباب الغربي لكورنثه .. وهذا الباب هو الذي أدخلت أوديب منه أول مرة ، وهو أيضا الذي دخل منه جيش إسبرطة اللعين قبل عدة أيام .  
أوديب
: وهل غزا الإسبرطيون كورنثه .
سوفوكليس
: نعم .
أوديب
: كنت تعلم بهذا الأمر إذن ولم تخبرني  .
سوفوكليس
: أنا .....
أوديب
: أنت رجل مخادع ، أتعلم معنى هزيمة جيش كورنثه .
الراعي
: ولكن جيش كورنثه لم يهزم ، لقد أستسلم .
أوديب
: هي الخيانة إذن .
الراعي
: بل الخوف، فلقد خاف أهل كورنثه من الوحش خوفا شديدا ، فأقنعهم ملك إسبرطة بأنه سيحميهم منه ، فمكنوه من مدينتهم ، فلما أحكم قبضته عليها ، ساقهم كالماعز ، واحدا تلو الآخر لحل اللغز .
أرتميسيا
: وهل نجح أحدهم في حل اللغز ...
الراعي
: إنه لغز عجيب .
أوديب
: هل تعرفه .
الراعي
: وهل نجا أحد من الوحش حتى يخبرنا به .
روزاليس
: إذن كيف عرفت إنه لغز عجيب .
الراعي
: لأنه فتك بالآلاف .
أوديب
: الآن فقط فهمت لماذا أرسل كريون جنده ورائي ، إنه يريد بقاء الوحش درعا يحمى طيبة ، ويحك يا كريون ويحك ، هل يحيا المرء فوق رفات أخيه ، (لسوفوكليس ) وأنت أيها المخادع لابد أنك شريك لكوريون في مؤامرته .. أو عميل لإسبرطة الغازية .
سوفوكليس
: صدقني أنا لست هذا أو ذاك .. والدليل أنى مستعد للذهاب معك إلي كورنثه ، ونقاوم من هناك مع أهلها .. وكل ما  أبغيه هو سلامتك يا أوديب .
الراعي
: الآن فقط نستطيع النزول .. فهاهم جنود كريون قد بدءوا في الصعود .. والذي يصعد جبلا مثل هذا لا ينظر إلا تحت قدميه .. أوديب ، ( يلتفت لأوديب ) فكر في كل ما قلته أمامك جيدا .. فأنا في مثل عمر أبيك لايوس .. والآن هلموا معي إلى الطريق . 

إظلام

اللوحة السادسة
النوايا الحسنة

المكان  : بلاط عرش كورنثه
المنظر : يضاء المسرح واستغاثات أهل كورنثه تملأ الأرجاء
           والجميع في انتظار قدوم الملك اثناسيوس .
أصوات
: أغثنا يا أوديب .. أغثنا يا أوديب .
أرتميسيا
: ( لروزاليس ) إلا تتعب حناجرهم ، فما رآه أحد من أهل كورنثه إلا وهتف هذا الهتاف .
روزاليس
: حتى تنبه الجميع إلي وجوده ، فاقتادونا إلى هنا .
سوفوكليس
: أتسمع يا أوديب .. آمال كورنثه كلها معقودة عليك .
أوديب
: كي أنقذهم من الوحش .. أم من الإسبرطيين .
روزاليس
: ربما من الاثنين  .
سوفوكليس
: أنت يا وزير اسبرطة ... لم كل هذا الانتظار .
الوزير
: حتى يأتي الملك اثناسيوس .
سوفوكليس
: و متى سيأتي ؟
الوزير
: إنه يبحث أمرا هاما ، وأرجو ألا تكثر في طرح الأسئلة علينا فلولا وجود الملك أوديب لكان لي معك شأن آخر .
أوديب
: أو لا يتسع صدركم للأسئلة .
الوزير
: سأجيب على هذا السؤال كرامة لوجودك بيننا أيها الملك العظيم ، نحن في إسبرطة لا نعرف إلا شيئا واحدا هو العمل ولا شيء غيره ، ومنذ قاد مليكنا اثناسيوس حربه المجيدة ضد الفلاسفة والكهان والتي أنتصر فيها بالطبع أُمرنا بعدم الكلام ، لأن الكلام مثبط للهمم والعزائم .. أما العمل فهو طريقنا الوحيد نحو المستقبل . 
سوفوكليس
: ولكن الفلسفة تبلور تجارب الماضي وتقدم أفكار لمستقبل مشرق .
الوزير
: منذ فجر التاريخ والإنسان يحلم ويحلم .. يحلم بالحرية والعدل والرخاء ، ولكن الحلم أبدا لم يتحقق وأدرك مليكنا اثناسيوس أن الفلاسفة رغم معرفتهم بهذه الحقيقة لا يزالون يملأ ون عقول الناس بأوهامهم فيعكفون على التمنيٍ ، فكانت حربه المقدمة ضدهم ، ولم تكفل الفلسفة لأصحابها تحقيق النصر .. ومنذ ذلك اليوم ونحن نضع لنا أهدافا لا نحيد عنها ، ونفكر في أقصر الطرق وأيسرها لتحقيق هذه الأهداف ، ثم نبدأ في العمل ، وكلما فرغنا من تحقيق هدف ، انتقلنا إلى هدف آخر ، وهكذا ، فإن الماضي هو تجربتنا ضد الفلسفة ، أما المستقبل ، فهو مجموعة من الخطط التي نسعى إلى تحقيقها ، ولا نترك للمصادفة فرصة مباغتتنا ، كما أننا لا نقسم بالتنبؤات .
سوفوكليس
: انتم إذن بلا تاريخ .
الوزير
: وما قيمة أمة تملك الماضي وتخش المستقبل .. نحن ارتضينا بالحياة ، وتركنا الماضي للماضي ، تركناه لأرباب البكاء والشعر الحزين ، أما شعراؤنا فلا يتغنون إلا بالمستقبل الذي نملكه بالطبع .. ولا أحد ينازعنا في امتلاكنا له .. وحتى إن ساورته نفسه ، ستكون سيوفنا أكثر قربا له من أمنياته . 
أوديب
: وإذا ما فاجأكم زيوس بريح قوية تأتى من حيث تأتمنون .
الوزير
: إذا عقدنا العزم على الإبحار إلى أحد الشواطئ ، نأخذ كافة الاحتمالات معنا إلى السفينة ، ولا نتوقع من الجو صفاء ، ولا من المصير رغدا .
أوديب
: وهل تنجحون دائما .
الوزير
: نعم ، وسأخبرك بالسر ، ( يقترب منه ) إننا لا نترك أية فرصة لزيوس كي يفاجئنا .
روزاليس
: أكنتم تتوقعون ظهور الوحش مرة ثانية ؟
الوزير
: ولم لا ؟
روزاليس
: إذن ماذا أعددتم له
الوزير
: الكثير .. ولكنى أغفر لي ، فأنا لا أستطيع إخبارك بالمزيد أيتها العزيزة أورجانيا . 
روزاليس
: أورجانيا !! .. لماذا تناديني بهذا الاسم ؟
الوزير
: الست أورجانيا ، ربيبة الملكة الراحلة جوكاستا ، والزوجة المنتظرة للملك أوديب .
روزاليس
: لا .
الوزير
: من تكونين إذن ؟
أوديب
: أنتم في إسبرطة ترفضون كل الأسئلة .. بينما نحن في طيبة نرفض بعضا منها .. وهذا البعض هو ما يتعلق بأمورنا الخاصة .
الوزير
: كما تحب أيها الملك .. وأغفر لي فضولي .
روزاليس
: ( لأوديب هامسة ) شكرا لك .
أوديب
: لماذا تشكريني .
روزاليس
: لأنك لم تخبره بحقيقة أمري .
أوديب
: وهل كان يجب على شيئا آخر .
روزاليس
: ولكنى أود أن أعرف ، هل فعلت ذلك إنقاذا لي من الحرج .. أم إنقاذا لصورتك التي سيشوهها قدوم الملك أوديب بصحبة غانية .
أوديب
: أتهمك إجابتي كثيرا ؟
روزاليس
: أكثر مما تتخيل .
أوديب
: فقط أحسست أن هؤلاء القوم يستبيحون لأنفسهم كل شيء ولهذا حجبت الإجابة عنهم .
روزاليس
: أتعنى أنك لا تخجل من إخبار العالم كله بأني ... غانية .
أوديب
: أنا لا أخجل من واقعي الذي يعرفه الجميع .. فهل أخجل من واقعك أنت .
الوزير
: ( يدخل الملك اثناسيوس )مولاي المعظم اثناسيوس .
اثناسيوس
: ( وقد جلس على العرش ) إذن هاهو ذا الملك أوديب العظيم يعود إلى القصر الذي فيه نشأ ، قلوبنا ترحب بك أيها الملك أوديب .
أوديب
: ولكن قلوب أهل كورنثه لا ترحب بكم أيها الملك اثناسيوس .
اثناسيوس
: لماذا تتعجل الأمور على هذا النحو ، دعني أولا أرحب بك وبضيوفك المجهولين ، ثم أبين لك غاية أسفنا عما أصابك في الفترة الماضية ، فلقد أدمت الحوادث التي لاحقتك قلوبنا أيها الملك .
أوديب
: أنا وحدي أحمل مصابي ، ولا أريد أن تدمى قلوبكم من أجلى .
اثناسيوس
: ألا تشكر لنا مشاعرنا الطيبة .
أوديب
: وهل أصحاب المشاعر الطيبة يفعلون ما فعلتم .
اثناسيوس
: وماذا فعلنا حتى يحنق  الملك أوديب علينا هكذا .
أوديب
: ألا ترى أيها الملك أنك تجلس على عرش لا يحق لك الجلوس عليه
اثناسيوس
: وهل يغبطك أن تراني وقفا ، حسنا سأقف ( يقف ) .
أوديب
: لا تراوغ يا اثناسيوس .
الوزير
: أيها الملك أوديب ، إن مليكنا المبجل اثناسيوس لا يحب أن يخاطب هكذا ، حتى لو كان من يخاطبه ملك سابق ، أنزله قومه من على عرشه .
روزاليس
: إن أحدا في طيبة لا يستطيع اغتصاب عرش أوديب الملك و لقد تجاوزت الأدب أيها الوزير .. واحذر من تكرار هذا ، وألا أدميت رأسك بنعلي هذا .. ولا تعتقد أنى ممن يخشون كثرة الحراس .
اثناسيوس
: ليهنأ الملك أوديب بهذا القلب العاشق ، فهذه المرآة تعشقك عشقا لا حدود له ، وأنا أقسم على هذا ، أتدرى لماذا ؟
روزاليس
: ( وقد أصابها الحرج ) كفي .
اثناسيوس
: لابد أن يعرف يا عزيزتي .. يعرف أنك تطاولت علينا بسبب عشقه وأنت تعلمين جيدا أنى أستطيع قتلك .. وأستطيع أيضا قتل رفيقتك هذه ( يحاول مداعبة أرتميسيا التي تبعد يده ) وأستطيع قتل هذا الرجل الصامت أيضا .. أستطيع قتل أي فرد في هذا المكان .. حتى وزيري هذا أستطيع قتله دون أن أخشى  لومة لائم .. أليس كذلك أيها الوزير . 
الوزير
: بلى يا مولاي .
اثناسيوس
: ورغم هذا كله لم تحتمل كلمة ظنت أنها تحمل توبيخا لك أيها الملك ( يقترب منه ) أكاد أحسدك على .. ليتني أجد قلبا يعشقني كما تعشقك هي .. أتظن هذا ممكنا .
أوديب
: اثناسيوس كفاك عبثا سخيفا .. وأخرج من هنا وخذ رجالك معك .
اثناسيوس
: رائع .. ولكن ولم أترك شعب كورنثه في محنتهم مع الوحش .. لامرأة عجوز مثل ميروب .
أوديب
: أترك لي أمر الوحش .. فأنا كفيل به .
اثناسيوس
: كلى ثقة أنك تستطيع هذا .. ألم تهزمه في المرة الأولى .. ألم تحل لغزه الذي أجهد العقول .. نعم .. أنت لها دون شك ولكن أهل كورنثه عرضوا عليك هذا العرش قبل شهور ولكنك رفضت .. أليس هذا صحيحا أيها الوزير .. أم أنك تخدعني بأخبار ملفقة .. الويل كل الويل لك إن لم يكن هذا الأمر صحيحا .
الوزير
: اقتلني يا مولاي إن كان ما أخبرتك به غير صحيح .
اثناسيوس
: مصير هذا الوزير أصبح الآن رهن لما ستقوله يا أوديب .
أوديب
: نعم رغبت عن عرش كورنثه .. ولكنى الآن أقبله .
سوفوكليس
: ( لنفسه ) عظيم .
اثناسيوس
: رائع كم أنا فخور بك أيها الملك فما أعظم الإنسان الذي ينزل عن رأى أثبتت الحوادث عدم جدواه .. أنت دون شك الملك أوديب الذي طالما سمعت عنه .
سوفوكليس
: لم يعد ما يدعوا الآن لبقائكم في  كورنثه .
اثناسيوس
: إنه يتكلم أيها الوزير .. ظننته لا يفعل .. إنه يملك أيضا صوتا جميلا .. لابد أنه كان يضن به علينا .
روزاليس
: هل سترحل ؟
اثناسيوس
: يبدو أن رحيلنا قد أصبح مطلبا للجميع .. الجميع لا يرغبون في وجودنا يا وزير .. على الرغم من شدة حبنا لهم .. وحرصنا عليهم .
الوزير
: ولكن أهل كورنثه الحقيقيين يريدون بقاءنا يا مولاي .
سوفوكليس
: يبدوا أن الوزير يعاني من بعض المتاعب في أذنه ، ألا تسمع هتاف الجماهير خارج القصر . 
اثناسيوس
: دعني أبين لك الأمر يا صاحب الصوت الجميل .. إن الجماهير تهتف أغثنا يا أوديب .
روزاليس
: ها أنت تقر بذلك .
اثناسيوس
: وهل أنكرت ذلك من قبل أيها الوزير ، نعم إنها تهتف أغثنا يا أوديب ، وليس أحكمنا يا أوديب ، تول أنت العرش الذي رفضته من قبل يا أوديب .. أليس كذلك يا وزير ، أم أن ضعفي في اللغة قد أعاق استيعابي للأمور .
روزاليس
: دعني أجيب نيابة عن وزيرك المجهد أيها الملك .
اثناسيوس
: أتوسل إليك أن تفعلي .
روزاليس
: إن جماهير كورنثه تنادى أغثنا يا أوديب من الإسبرطيين الملاعين الذين خدعونا وساقونا إلى الوحش بدلا من إنقاذنا منه .
اثناسيوس
: اسمحي لي يا سيدتي أن أعترف لك بنبوغك الساطع في قراءة ما في القلوب ، فلو لبث وزيري هذا الدهر كله لما استطاع قراءة ما في قلوب أهل كورنثه كما فعلت أنت في بعض يوم ، إن ذكائك يا سيدتي لا يقل عن جمالك ، لقد أصبحت شديدة الغيرة منك يا أوديب ، فأنى لي بحبيبة مثلها .. أقسم لك يا سيدتي بأنني سأعتزل الملك ، ملك إسبرطة و كورنثه ، وأكتفي ببيت صغير، وقطيع من الغنم لو قبلتي ملكا متيما مثلي زوجا لك ، وبنفسي سأضع تاجي فوق رأس الوزير .. ( يضع التاج فوق رأس الوزير ) .. والآن هل تقبليني زوجا لك .  
روزاليس
: بشرط واحد .
سوفوكليس
: ( لأوديب ) أتوسل إليك ألا تبتئس أو تقول أنها لعنه جديدة ، هذه المرأة ليست إلا .......... 
اثناسيوس
: اشترطي كما تشائين يا حبيبتي .
روزاليس
: أن ترى أذنيك دون ماء أو مرآة .
اثناسيوس
: أيها الوزير .. أعد التاج إلى رأسي ( يفعل ) فلم يبق لي غير الملك ، يال حظي التعس ، والآن اسمحي لي معذبتي أن أوضح لك حقيقة الأمر ، نحن قوم لا شأن لنا بالألغاز وحلها ، هكذا وجدنا ، فرأينا أن أهل كورنثه أجدر منا على ذلك ، ولم لا ، وقد نشأ بينهم الملك أوديب ولابد أنه استقى منهم في صباه ملكة حل الألغاز ، ولكنه الخوف الذي يبدد القدرات ، فرأينا أن نحارب الخوف داخل نفوسهم ، ونجبرهم على مواجهة الوحش ، فإذا ما أيقنوا أن سيوفنا ورائهم ، والوحش أمامهم ، برزت ملكاتهم مرة أخرى وظهر فيهم أوديب جديد يحل اللغز ، فتنتهي المشكلة ، وإنه لأشد ما يؤسفني أن أوديب الجديد لم يظهر حتى الآن .   
الوزير
: لا داعي الآن للأسف أيها الملك ، فلقد عاد لنا أوديب القديم .. أوديب الأصلي .
اثناسيوس
: نعم يا وزيري ، عاد ، أستطيع أن أرى شموخه بنفسي ، إن خبرة حل الألغاز تشع من عينيه ، أترى الإشعاع أيها الوزير .
الوزير
: يا له من إشعاع يا مولاي ، إنه يكاد أن يفقأ عيني .
سوفوكليس
: ( لنفسه ) و ما الداعي لذكر هذا الأمر الآن .
اثناسيوس
: هل أدركت الآن ، صدق إخلاصنا ، ورقة مشاعرنا
أوديب
: ( بعد لحظة صمت طويلة ) نعم ، أدركت الآن كل شيء ، لذا أرجو أيها الملك أن تقبل اعتذاري عن سوء ما اعتقدت بشأنكم ، إنكم تبذلون الكثير من أجل هذا العالم .
اثناسيوس
: حبا .
أوديب
: نعم ، والعالم لا يسعه إلا سوء الظن بكم .
اثناسيوس
: حقا .
أوديب
: يا له من عالم .
اثناسيوس
: ولكننا نغفر .
أوديب
: كرما .
اثناسيوس
: بل حبا .
أوديب
: دعني أعانقك أيها الملك وليبشر هذا العناق بشمس جديدة تشرق بالنوايا الحسنة بيننا وبينكم .
اثناسيوس
: أوديب ( يتعانقان ) .
سوفوكليس
: ( لنفسه ) من هذا الرجل ، إنه ليس أوديب الذي كتبته ، أنا لا أعرف هذا الجزء  في شخصيته ، هذا تطور غريب ، لكن لابد أن بذوره كانت موجودة من قبل ، بالتأكيد نحن المؤلفون مهما برعنا في رسم شخصيات غنية لن تكون في براعة ما يخلق زيوس ، المهم إن أوديب الآن لا يفكر في فقأ عينيه .. هذا هو المهم .
اثناسيوس
: ( وقد أنتهي العناق ) والآن يا صديقي الملك .
أوديب
: المزيد من النوايا الحسنة .
اثناسيوس
: نعم ، هذا رائع ، وبعدها .
أوديب
: نغرق في بحور من النوايا الحسنة .
اثناسيوس
: وبعد أن نغرق في بحور من النوايا الحسنة ، لا تقل لي نذهب إلى محيطات النوايا الحسنة المتجمدة الشمالية و الأخرى المتجمدة الجنوبية .
أوديب
: وهل هناك شيء أهم من النوايا الحسنة
اثناسيوس
: نعم ...
أوديب
: وما هو ؟
اثناسيوس
: الوحش .
أوديب
: سأخرج إليه طبعا ، فهذا أمر لا شك فيه .
اثناسيوس
: الليلة .
أوديب
: لا .
اثناسيوس
: نعم ، فأنت تحتاج إلى الراحة الآن ، ستخرج له في الصباح الباكر .
أوديب
: لن أخرج له في الصباح الباكر .
اثناسيوس
: معك حق ، فأنت منهك بسبب الحوادث الغير سارة التي ألمت بك أخيرا ، تحتاج لبضعة أيام تستجم وتستريح كي تستعيد قدرتك الفائقة على حل الألغاز .
أوديب
: ولا هذا .
اثناسيوس
: بالطبع ، ولا هذا ، أغفر لي يا صديقي تعجلي للأمر على هذا النحو وهذا التعجل فقط لحرصي على أرواح أهل كورنثه ، ولولا هذا لأدركت من الوهلة الأولى ، ما يجب على فعله صوبك يا أعز الأصدقاء  .
أوديب
: و هل أدركت الآن .
اثناسيوس
: بالطبع ، فلدى قدر محدود من الذكاء .. ولكنه يكفي لإدارة شؤون ملكي ، أنت تريد الزفاف إلى عروسك الجميلة هذه ، ونحن نسهر على خدمتكما شهرا كاملا ، نوفر لكما فيه كل وسائل الراحة واللهو والمرح ، ولا ندع شيئا يقلل من استمتاع كل منكما بالآخر ، آه ، يال قلبي المكلوم .. وبعد هذا الشهر يخرج أوديب الأسطورة إلى الوحش ويقهره . 
أرتميسيا
: ( لروزاليس ) ليته يقبل .
أوديب
: يا لك من رقيق حالم ، ولكنني أخشى أنني لن أخرج إلى الوحش قبل خروجكم من كورنثه .
اثناسيوس
: والنوايا الحسنة .
أوديب
: تعمل بالطبع .
اثناسيوس
: مادامت تعمل ، اخرج إلى الوحش أولا وبعدها نرى سويا ماذا يريد أهل كورنثه الأحباب ونعمل سويا على تحقيقه ، هب أن الوحش .. هب أن الوحش ..
أوديب
: قتلني .
روزاليس
: لا تقل هذا .
اثناسيوس
: أنا أيضا لا أود قول هذا ، ولكنه بكل أسف احتمال قائم أليس كذلك .
أوديب
: بلى .
اثناسيوس
: أنترك كورنثه بغير ملك يسهر على إنقاذها .
أوديب
: فلندع هذا الأمر للملكة ميروب ، أراك يا صديقي تخفيها في مكان ما .. خوفا عليها من القلق والهم  بالطبع ولكنى أريد أن أراها ، فهي في مكانة الأم لدى صديقك أوديب .
اثناسيوس
: ( بعد صرخة غضب ) يا لك من أحمق ، كنت ستحظى بشهر من السعادة قبل أن تموت .
أوديب
: الآن نزعت القناع عن وجهك القبيح .
اثناسيوس
: لا يتكلم عن القبح قاتل أبيه وزوج أمه .. أيها الوزير .
الوزير
: أمرك يا ملك ملوك الأرض .
اثناسيوس
: ادخل علينا الرسول القادم من معبد دلف ، فلقد تأخرنا عليه كثيرا .
أوديب
: لا حاجة لك برسل المعبد ، فأنا أعلم بقدري .
سوفوكليس
: أخرج للوحش يا أوديب وأنقذ شعب كورنثه .
روزاليس
: لا تجعلهم يقتلوك .
أوديب
: أأنقذ أهل كورنثه من وحش زيوس وأتركهم لهذا الوحش الذي لن يتورع في الهجوم على طيبة أيضا ، أنسيتم أن ابنتي لازالتا في طيبة ، إنه لن يتردد في قتلهما كي يهنأ على عروش الأرض ليتني فقأت عيني حتى تخمد لعنتي . 
سوفوكليس
: الرحمة يا زيوس، الدائرة تدور بسرعة وأنا لم أعد أملك غير أمنية واحدة ( تدخل هيرا ) .
هيرا
: تحيات كهان معبد دلف للملك اثناسيوس المبجل .
اثناسيوس
: أخبرينا برسالة المعبد .
سوفوكليس
: ( وهو يتأمل هيرا ) أنا أعرفها .. أعرفها جيدا .
هيرا
: عينا أوديب هي كل ما يطلبه زيوس ، وإلا انتقلت اللعنة إلى إسبرطة .
اثناسيوس
: ونحن لا نقدر على رد أمر يطلب زيوس تحقيقه، فلتفقأ عيني أوديب عند الفجر ( تخرج هيرا ) .
أوديب
: دع عنك هذا العناء ، سأفقأ عيني بنفسي وأرفع عن العالم لعنتي ، فقط أعطني خنجرا حادا .
سوفوكليس
: ضعف العذاب ، ليتني لم أطلب الرحمة .
اثناسيوس
: ولكنى سأمنحك فرصة أن ترى حبيبتك هذه ( يشير إلى روزاليس ) وهى تذبح كالشاة وليكن هذا آخر ما تراه أيها التعس .
أوديب
: أقتلها .. طهرها بدمائها ، فالموت أفضل من حياة بلا كرامة .
اثناسيوس
: سأفعل ، وسيكون هذا آخر ما تراه ، وأقسم على ذلك ، ولكنى سأبدأ العرض بمشهد آخر أحضروا ميروب ... (يخرج الوزير لإحضارها )
أوديب
: يا لك من وغد .
اثناسيوس
: ( وقد دخلت ميروب ممزقة الملابس ويبدوا عليها أثار التعذيب ) دعيني أرحب بك أيتها الملكة قبل أن آمر رجالي بحملك فوق هذا العرش .. لا لتجلسي ، بل لتقفي ، ولسوف تتدلى أمامك هذه الضفائر الجميلة ( يمسك ضفائرها ) التي سنساعدك علي جعلها مشنقة ، أتدرين كيف ، لقد تعلمنا هذه الطريقة من الراحلة جوكاستا ( يمسك ضفائرها ، ويبدأ في لفها عدة لفات حول رقبتها ) ... جوكاستا أم أوديب الحقيقية ، وزوجته ، وأم ابنتيه ، يا لها من ألقاب ، لا تعجبي فهي قصة طويلة سوف ترويها لك جوكاستا بنفسها في العالم الآخر ( يشير لرجاله فيحملونها لتشنق بنفس الطريقة .. يلتفت لأوديب ) نسيت أن أسألك ، هل لابنتيك أنتيجونه و أيسمين ضفائر طويلة أيضا ، اقسم أن أمنع عنهما سيوف جنودي لو كانت ضفائرهما طويلة بما يكفي .
ميروب
: ( وهي تتأهب للموت ) شكرا لك يا زيوس أن جعلت وجه ابني أوديب هو آخر ما أراه في هذا العالم البائس ، بعدما غاب عن حضن أمه اثنا عشر عاما ، أمه التي أنشأته ، كان بوسعك دائما أن تعود إلى أمك  ميروب يا أوديب، هل أذنبت في حقك كي تهجرني هكذا ، وتهجر أباك بوليب ، لقد كان أسمك هو آخر ما نطق به ( الجنود ينتظرون إشارة الإعدام من اثناسيوس ) 
أوديب
: اغفري لي يا أماه .
ميروب
: بل اغفر لي أنت يا صغيري ما أصابك .
أوديب
: إنها إرادة زيوس ، ولا ذنب لأحد فيها .
ميروب
: بل الذنب ذنبي فلقد كنت أعلم بأمر النبوءة ، بوليب كان يعلم بها أيضا ، ولكننا أبدا لم نصدقها ، فلقد أحسنا تأديبك وكانت ثقتنا فيك أكبر من أي شيء .
أوديب
: لكن النبوءة تحققت يا أماه .
ميروب
: لا ، لم تتحقق ، فلقد مات بوليب فوق سريره ، وها أنا ذا أموت دون أن ... تتزوجني .
أوديب
: ولكنى قتلت لايوس وأنجبت من جوكاستا يا أمي .
ميروب
: بوليب هو أبوك ، هو الذي داعبك طفلا وعلمك صبيا ، وفخر بك شابا ، أما أنا فلقد سهرت عليك ، انتخبت لك أفضل الألبان ، وطرزت لك أفخر الثياب ، كانت السعادة تتراقص أمام عيني وأنا أراك تكبر يوما بعد يوم لم تناد أحد غيرنا بأبي وأمي أما الآخران ، فلا يستحقان منك إلا ما أصابهما .
أوديب
: أماه .
ميروب
: لقد قتلت الخوف في لايوس وتزوجت الضعف في جوكاستا .
أوديب
: أماه .
ميروب
: ولكنى أيضا أهملت ، كان يجب على فعل أي شيء كي تبقى دائما في كورنثه ، ولكن الحوادث سارت بأسرع مما نتصور ، كما أنك خرجت من كورنثه دون أن نعرف إلى أين ، ثم فوجئنا بك لجوكاستا زوجا ، فاغفر لنا يا أوديب ولا تحنق على ذكرانا ، أتوسل إليك .
اثناسيوس
: لننتهي من هذه المأساة ، إن قلبي لا يحتمل ( يهم بإعطاء الإشارة )
أوديب
: ( بقوة ) انتظر يا اثناسيوس .

إظلام

اللوحة السابعة
الــصبــر

المكان  : خارج أسوار كورنثه
المنظر : أوديب يقف أمام الوحش
الوحش
: ( وهو ضخم أسطوري ) ها أنت ذا قد عدت ثانية يا أوديب .
أوديب
: بل أنت الذي عاد أيها الوحش .
الوحش
: لقد كنت أنتظرك و ها أنت ذا قد أتيت بنفسك .
أوديب
: تنتظرني هنا ، على أسوار كورنثه .
الوحش
: نعم .
أوديب
: ولماذا لم تأتى إلى طيبة .
الوحش
: لقد أصبحت أتطير منها ، ولكنى كنت أنوي الذهاب إليها بعد القضاء على أهل كورنثه ، فدماؤهم تعيد إلى الثقة .
أوديب
: يا لك من وحش ضعيف .
الوحش
: أتتهمني بالضعف يا أوديب .
أوديب
: نعم ، وبالجبن أيضا .
الوحش
: الويل لك .
أوديب
: أتسفك دماء الآلاف كي تستعيد ثقتك بنفسك ، لماذا لم تأت إلى مباشرة حتى أذيقك مرارة الهزيمة من جديد .
الوحش
: ( يصرخ ) الهزيمة ، الهزيمة ، ولكنك لن تنجح في حل اللغز هذه المرة ، فلقد مكثت سنوات أبحث عن لغزي الجديد حتى أعوض هزيمتي السابقة ، ولن أنجو من مرارتها إلا بعد أن أذوق حلاوة دمك
أوديب
: ولكنى سئمت منك أيها الوحش ، فلغزك السابق كان بسيطا تافها ، لم يجهد عقلي ولو لثانية واحدة ، وأصدقك القول أنا لست متحمسا لك ولا لألغازك .
الوحش
: ( يصرخ ) سأقتلك يا أوديب .
أوديب
: اقتلني ولا تتردد فلقد سئمت الحياة أيضا .
الوحش
: سألقى عليك اللغز أولا .
أوديب
: لا تضيع وقتي ووقتك ، اقتلني دون لغز .
الوحش
: ولكنى لا أقتل إلا الأغبياء ... هكذا أراد لي زيوس .
أوديب
: فلتقتل نفسك إذن .
الوحش
: أتتهمني بالغباء .
أوديب
: ليس اتهاما أيها الوحش بل حقيقة دامغة .
الوحش
ألا تخاف منى .
أوديب
: ولم أخاف منك ؟! وأنا أريد الموت .
الوحش
: ستموت يا أوديب .
أوديب
: كل المخلوقات تموت .
الوحش
: ولكن دعني ألقى عليك  اللغز الجديد .
أوديب
: لا تلق شيئا ، قلت لك هذا من قبل ، فأنا لا أجد حافزا لذلك .
الوحش
: إنه لغز عجيب ، لن تستطيع الإجابة عليه .
أوديب
: سأجيب لأنك غبي ، وأنت أيضا صاحب اللغز فلا تحاول معي .
الوحش
: لو أجبت عليه سأقتل نفسي أمامك ، وأقسم بـزيوس . 
أوديب
: وماذا سأستفيد من ذلك؟
الوحش
: ستضمن عدم عودتي .
أوديب
: وأنا لا تقلقني عودتك .
الوحش
: إذن سأفعل أي شيء تطلبه منى .
أوديب
: تفعل أي شيء أطلبه .. أنت غير جاد في ذلك .
الوحش
: بل أنا أعني تماما ما أقوله .
أوديب
: وماذا لو حنثت باليمين .
الوحش
: سيرسل زيوس هيرا لتعذبني أشد العذاب ، وأنا أخاف منها .
أوديب
: دعني أفكر قليلا في قبول هذا العرض .
الوحش
: ( يصرخ ) لا أطيق الانتظار .
أوديب
: دعني أستعيد حماسي ، فلغزك السابق أصابني بالاشمئزاز .
الوحش
: حسنا ولكن اعلم يا أوديب أنك لو لم تجب خلال لحظات سأقتلك خلال عام ، سأجعلك تذوق طعم الموت البطيء ، سأجعلك تتوسل إلى كي أقتلك بسرعة ولن أقتلك إلا إذا استطعت حل لغز ثالث ورابع وخامس .
أوديب
: أنت واهم أيها الوحش الغبي .
الوحش
: والآن هل فكرت .
أوديب
: أعتقد هذا .
الوحش
: والنتيجة .
أوديب
: لغز غبي آخر ، فلأحتمل ما دمت ستنفذ ما أمرك به .
الوحش
: أنت ميت يا أوديب ، والآن : ما هو الثوب الذي إذا ارتداه الإنسان سار وسط غابة تحترق فوصل منها إلى بحر غادرة أمواجه، فيعبره إلى جزيرة عاصفة تقتلع فيها الريح أضخم الأشجار ، فينجو من هذا كله دون أن يتغير جلده .
أوديب
: ( يفكر )
الوحش
: ( يضحك بقوة )
أوديب
: يا لك من تعس .
الوحش
: مضى وقتك يا أوديب فهل عرفت الإجابة ، هل عرفت الثوب .
أوديب
: بالطبع .
الوحش
: مستحيل .
أوديب
: إنه الصبر أيها الوحش .
الوحش
: ( يصرخ )
أوديب
: بالصبر نصمد مهما كانت الظروف ، وبالصبر يحتفظ الإنسان بإيمانه الذي هو حقيقته الذي فطر عليها .
الوحش
: يا لك من ذكى حاذق .
أوديب
: أنا لست ذكيا حاذقا ، ولكنك أيها الوحش غبي جاهل ، فالصبر هو ثوبي وسيفي ودرعي في هذه الظروف ، أما علمت مصابي .
الوحش
: ( بتأثر ) علمت .
أوديب
: ولم تغير اللغز .
الوحش
: احتاج لسنوات طويلة أخرى .
أوديب
: أنت وحش سيئ الحظ .
الوحش
: نعم ، هل ستقتلني ؟
أوديب
: لا .
الوحش
: حسنا تفعل ، فأنا لا أحب الموت .
أوديب
: ومع هذا تقتل في اليوم الواحد مئات الأبرياء .
الوحش
: إن الضعف والغباء هما من يقتلان الناس وما أنا إلا وسيلة لا تسلط إلا على الضعيف الغبي .. والآن ماذا تطلب منى .
أوديب
: ستبقى مكانك أيها الوحش ، كأني لم أحل اللغز ، وكأنك قتلتني .
الوحش
: سيخرج لي كل ساعة أحد أهالي كورنثه .
أوديب
: بالضبط ، وأنت ستخبر الجميع بأني في انتظارهم عند أسوار طيبة ، وأنى آمرهم بالفرار إلى هناك وستكون آخر امرأة تخرج لك هي أمي ميروب ، وآخر رجل يخرج إليك رجل يدعى سوفوكليس  .
الوحش
: هل أنت واثق من هذا .
أوديب
: كل الثقة فلقد عرفت ملك إسبرطة كيف يفكر .
الوحش
: ثم ماذا .
أوديب
: ترحل إلى الأوليمب ولا تعود أبدا .
الوحش
: ولكنى سأفتقدك ... نعم سأفتقدك يا أوديب فلقد أعجبت بك كما لم أعجب بأحد من قبل لم لا نصبح أصدقاء ، أريد أن أتعلم منك أشياء كثيرة يا أوديب .
أوديب
: ليس هناك صداقة بين الإنسان والوحش .
الوحش
: ولكن الوحش قد ينفع أحيانا .
أوديب
: نعم ولكن ليس ما ينفع أحيانا يطلب دائما أيها الوحش .
الوحش
: إذن هو الفراق .
أوديب
: سنلتقي في الأوليمب .
الوحش
: سأكون عند حسن ظنك .
أوديب
: أثق في هذا .. وداعا أيها الوحش .
الوحش
وداعا يا أذكى الناس .


إظلام

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الكلاب الايرلندي / الجزء الاول

الكلاب الايرلندي / الجزء الثالث

الكلاب الهندي