اوديب يحكم العالم / الجزء الثالث
| اللوحة الثامنة | |
| الحرب | |
| المكان : سوق طيبة | |
| المنظر : كريون يقف خطيبا في الناس | |
| أصوات | : فلتنزل إرادة زيوس على أوديب ، فلتفقأ عينا أوديب . |
| كريون | : يا أهل طيبة ، أنتم بما فطرتم عليه من الإيمان تدركون الآن تمام الإدراك حقيقة هذا الملعون .. إنه لم يكتف بما فعله بنا ،و يال اللعنة التي أصابتنا من جراء أفعاله ، بل هو يحشد الحشود من أهل كورنثه خارج أسوار المدينة كي يسترد عرشه المسلوب . |
| أصوات | : سنقاتل هذا الملعون ، سنقاتل هذا الملعون . |
| كريون | : يا أهل طيبة ، إن أشد ما يؤلمني ويؤرق مضجعي أرواح البسطاء الكورنثيين التي ستحصدها سيوفكم العادلة ، فلقد خدعهم أوديب ، غرر بهم ، استغل قدرته على حل الألغاز في بسط سيطرته عليهم .. أنجاهم من الوحش كي يستغلهم في تحقيق حقده ، والآن ها هو ذا يحتمي بهم خلف الأسوار ، وليس أمامنا إلا مواجهته لإنقاذ أنفسنا وإنقاذ أشقائنا أهل كورنثه ، لم يكن أحد يتصور أن تلتقي سيوف الأشقاء لقاء الكيد والحرب ، إنني هنا وفي هذه اللحظة أتذكر أعوام السلام الذي دام بيننا ، لم يعكره سوى أوديب ، لم تفرق بيننا إلا لعنته ، والآن يا جنود زيوس ، هل تجبنون أمام الواجب . |
| أصوات | : لا نجبن . |
| كريون | : هل تتركون هذا الملعون يقفز ثانية على عرشكم الطاهر . |
| أصوات | : لا نفعل . |
| كريون | : فلنخرج إليه إذن تصطحبنا بركات زيوس ، واعلموا أن زيوس قد أنذركم باختفاء كهنته من معبد دلف ، فإذا ضعفتم في قتال الملعون أوديب ستحل لعنة زيوس على كل واحد منكم ، ( يظهر أوديب وقد كان متنكرا وسط الجموع ) |
| أوديب | : ها أنا ذا أمامك يا كريون وحدي لا أهاب الموت ، ولا أحتمي بأحد ، لا أحمل سيفا أو أتوشح درعا .. يا أهل طيبة ، أنا أوديب مليككم فهلا سمعتموه قبل أن يفقأ أمامكم عينيه ، هلا حكمتم العقول التي منحكم زيوس إياها . |
| كريون | : لا تدخل اسم زيوس في لعبتك الجديدة .. يا أهل طيبة ، إن كل لحظة تمر دون إتمام النبوءة تعرض هذا العالم لمزيد من اللعانات . |
| أوديب | : ولكن ليست عينا أوديب هي التي ستنقذ العالم .. ولو كانت لفعلت منذ أيام . |
| ك.التجار | : لا يخدعكم حديثه المنمق المعسول . |
| أوديب | : يا أهل طيبة إن الخطر الذي تواجهونه .. هو نفس الخطر الذي أصاب أشقاءنا .. أهل كورنثه . |
| كريون | : لقد ظهرت لعبتك الآن .. هل إسبرطة هي التي تحشد خلف الأسوار .. أم جنود كورنثه الطامعون في خيرات طيبة . |
| أوديب | : أنت تعلم الحقيقة تماما كما أعلمها يا كريون .. فانزع الحقد من قلبك . |
| ك.التجار | : يحكم بيننا أهل طيبة . |
| أوديب | : يا أهل طيبة .. لقد ارتفعت فوق عرشكم سنوات وسنوات .. فهل جرفتني فيها شهوة الحكم أو عملت ضد صالحكم في يوم من الأيام . |
| ك.التجار | : يبدو أنك نسيت الذل الذي تجرعناه على يدك نحن التجار المساكين .. ألسنا من أهل طيبة . |
| أوديب | : بلى كلنا أطفال هذه الأرض البارة .. غنينا و فقيرنا ... عالمنا و جاهلنا ... التقى الكاهن ... والعنيف الفاجر ... وما حاكم طيبة إلا ميزان يطلب العدل بين الجميع .. ميزان لا ينصف الغنى لغناه .. ولا يظلم الفقير لحاجته .. ميزان لا يجور على الجاهل لجهله .. بل يوفر له العلم الذي يحتاجه .. ولا يعتزل العالم لعلمه .. هذه هي طيبة التي كنت أريد .. طيبة التي لا تركع أمام الأعداء . |
| كريون | : لماذا إذن لم تقاوم الإسبرطيين الجاثمين فوق أعناق كورنثه ، لماذا لم ترتد وشاح البطولة الذي تدعيه . |
| أوديب | : وهل يكتب لنا النصر ونحن فرادى .. لقد فتك الوحش بقدر منهم ليس بقليل .. وفتك اثناسيوس بالباقين كما فتك الطاعون بقدر ليس قليل منكم يا أبناء طيبة المنصفين . |
| أحدهم | : ولكنك أنت مصدر الطاعون ( يدخل الراعي ) |
| الراعي | : لا .. لا تقل هذا يا ولدى .. فالذئب لا يخرج للأغنام لسبب جنته .. أو للعنة قدرت عليها .. ولا انتقاما للعشب الأخضر منها .. ولكنها دائرة أوجدتها حكمة زيوس .. فجعل العشب للأغنام غذاء .. وجعل الأغنام للذئب غذاء .. وجعل الإنسان للذئب عدو ... وجعل الطاعون للإنسان عدوا .. سبعون عاما وأنا أرعى الغنم ولم أر فيها شاة واحدة تتهم رفيقتها بإحضار الذئب .. ولا بالهوان في مواجهته .. فلماذا أنتم يا معشر الإنسان تفعلون . |
| كريون | : يا أهل طيبة ... إنما أراد لكم أوديب الهلاك في مواجهة غير متكافئة مع الإسبرطيين الأفذاذ كي تختفي فضيحته .. هذا هو الفخ الذي أراد .. فهل أنتم إليه ذاهبون . |
| أوديب | : أنا أعرف بالإسبرطيين منك يا كريون .. فلا تعمل لصالحهم بزعزعتك للنفوس .. أي عار يحيط بك الآن .. كنت تؤلفهم لقتال الأشقاء منذ قليل ... والآن ترهبهم من قتال العدو . |
| كريون | : إنما نحارب من يغير علينا فقط . |
| الراعي | : ولكن الذئب لا يفترس من القطيع كل يوم إلا شاة واحدة .. وفي اليوم الثاني يبحث عن شقيقاتها بعد أن يروق له الطعام .. وتصبه شهوة الدم . |
| أوديب | : صدقت أيها الراعي . |
| كريون | : تصدق عليه لأنه عميلك الذي أنقذك من الموت مرتين . |
| الراعي | : وهل دوري في هذه الحياة سوى إنقاذ الأغنام الصغيرة واقتيادها إلى أطيب المراعى . |
| أوديب | : اصدقوا مع أنفسكم يا أهل طيبة .. واستفتوا عقولكم وقلوبكم قبل فوات الأوان . |
| أصوات | : لا نعرف .. لا نعرف . |
| كريون | : يا أهل طيبة .. إنما تكون الحرب دفاعا عن الحدود .. وأنا أقودكم إلى النصر دون غيري .. إنها أوامر زيوس ( يدخل سوفوكليس بصحبة روزاليس ) |
| سوفوكليس | : جنود إسبرطة في الطريق . |
| أوديب | : يقتلكم التردد يا أهل طيبة . |
| روزاليس | : أيها الناس .. لقد وهبتني الظروف فرصة أن أكون أسيرة لدى الإسبرطيين . |
| كريون | : الويل لك يا أوديب .. لقد جعلت البغايا يخطبن في الناس كالفرسان والنبلاء . |
| أوديب | : إن العهر الأشد لهو عهر القلوب . |
| روزاليس | : أنا لا أدعى بينكم الفضيلة .. ولقد تسللت إلى هنا ضد رغبة أوديب الذي أراد أن يواجه غفلتكم وحده . |
| ك.التجار | : وهل نحن هنا لنتسامر بقصص العشاق . |
| روزاليس | : نعم أعشقه .. أعشق فيه كل شيء .. حتى ما أصابه من إثم لا ذنب له فيه .. أعشق رغبته في الدفاع عنكم .. حتى وهو في أصعب الظروف كان يستطيع الفرار مع من أراد .. كان يستطيع أن يبيع الجميع لاثناسيوس .. ولكنه أبى إلا الذود عنكم . |
| سوفوكليس | : يا أهل طيبة .. لسنا بحاجة إلى إقناعكم بخوض حرب قد دقت طبولها .. لكم أمركم فاصنعوا ما تشاءون .. افقئوا عيني أوديب واخرجوا مع كريون إن ظننتم ذلك صوابا .. وإلا فأطيعوا مليككم ومنقذكم الذي به سترتفع هامتكم على العالم كما فعلها من قبل .. وتذكروا أن زيوس لا ينصر الأغبياء المتخاذلين . |
| الجميع | : ( همهمة ) |
| أوديب | : ( وقد وقف بين سوفوكليس والراعي و روزاليس ) لو اختاروا فقأ عيني سأرى بحبكم . |
| روزاليس | : ونحن يكفينا تماما هذا الذي قلته للتو . |
| سوفوكليس | : الأمر لك يا زيوس...؟ الأمر المهم الآن يا أوديب هو أنك لا تريد فقأ عينيك .. لا تريد أن تستسلم للنبوءة . |
| الراعي | : إن ثقتي في الأغنام لا تفنى أبدا . |
| أحدهم | : لن يقودنا إلى النصر سوى أوديب . |
| آخر | : أوديب أعرف بالإسبرطيين من كريون . |
| ثالث | : إن النبوءة الحقة هي ما ستصنعه سواعدنا . |
| رابع | : لن يغضب زيوس إذا حكمنا العقول . |
| تاجر | : أنصت إلى صوت الضمير يا كريون . |
| أحدهم | : لن يكون العرش لمتخاذل بعد اليوم . |
| آخر | : اخرج بنا يا أوديب صفا إلى أشقائنا الكورنثيين . |
| ثالث | : لا نصر إلا بالاتحاد . |
| رابع | : ليعلم الإسبرطيون .. من أجدر بالحضارة . |
| الجميع | : أوديب اصنع لنا الحضارة مرة أخرى .. فنحن أجدر بها .. أجدر بها منهم يا أوديب . |
إظلام
| اللوحة التاسعة | |
| النصر | |
| المكان : قاعة عرش طيبة | |
| المنظر : أوديب يجلس على العرش ونظرات ميروب تكاد تعانقه . | |
| أوديب | : والآن يا أماه تجمعنا طيبة .. ولا يفرق بيننا غير الموت . |
| ميروب | : وهذا غاية ما أبغيه يا ولدى . |
| أوديب | : ولتشرب ابنتاي من نفس النبع الذي شربت منه .. وليظللهما القلب الذي منح لي الحياة مرتين .. قلبك يا أماه . |
| ميروب | : وكيف لا أفعل .. وقد أعادتا الشباب إلى عمري بابتساماتهما البريئة .. أنهما أحب إلى منك . |
| أوديب | : ولتهدأ روح جوكاستا .. فأمانتها مع أجدر الناس بها . |
| ميروب | : ولتهدأ روح أبيك بوليب .. فها هو ذا ابنه الوحيد يحكم العالم . |
| كريون | : طيبة و كورنثه وإسبرطة . |
| أوديب | : التي سأجعلك نائبا لي عليها .. ثقة منا بك .. واعترافا بدورك الرائع في المعركة . |
| كريون | : كلنا رعاياك أيها المليك .. اليوم لا يفرق بيننا شيء . |
| ك.التجار | : أما أنا فلي عندك رجاء . |
| أوديب | : بل نحن الذين نرجوك .. فها هي ذي الأرض قد مهدت كلها أمامك .. تنتظر المعاول التي ستشتريها بنقودك التي ستدفع منها أيضا أجور العمال .. فيمتد الرخاء والعمار يملآن الأفق .. تستطيع دائما أن تربح مالا وفيرا .. لكن الربح الأكبر هو إسعاد الناس .. تستطيع دائما أن تنال المجد .. ولكن الرفعة هي المكانة التي يختارها الناس لك .. والآن هل لديك ما ترجوه منى . |
| ك.التجار | : نعم ... أريدك أن تسمح لي بشكرك وتقبل اعتذاري عما بدر منى . |
| أوديب | : لك هذا ( يلتفت إلى روزاليس ) أما أنت . |
| روزاليس | : أنا لا أريد أرضا ولا مالا . |
| أوديب | : أعرف . |
| روزاليس | : ولا أريد جاها ولا نفوذا . |
| أوديب | : أعرف هذا أيضا . |
| روزاليس | : كل الذي أريده ولطالما تمنيته .. |
| أوديب | : لا تكملي أرجوك . |
| روزاليس | : بل دعني أتوسل إليك . |
| أوديب | : لست بحاجة إلى هذا ، صدقيني . |
| روزاليس | : ولكن الحاجة تعصف بي . |
| أوديب | : حاجتك ليست عندي . |
| روزاليس | : لا تقتلني بهذا القول . |
| أوديب | أنا أصدقك القول |
| روزاليس | : لقد حققت ما يتمناه الجميع .. لم ترد أحد .. فلماذا تردني ؟ |
| أوديب | : أتمنى لو أستطيع . |
| روزاليس | : أتخشى الناس . |
| أوديب | : بل أخشى من نفسي . |
| روزاليس | : لأني غانية . |
| أوديب | : لقد كنت تقاتلين إلى جواري .. لا أنس أن سيفك أنقذني مرتين . |
| روزاليس | : ألا يكفي هذا لمحو عاري . |
| أوديب | : عارك قد محاه صدق توبتك .. ولكن .. |
| روزاليس | : تقتلني بلكن هذه . |
| أوديب | : لكن أخشى عليك من نفسي . |
| روزاليس | : سأموت إذا ابتعدت عنك . |
| أوديب | : لا تفقئي عينيك يا روزاليس . |
| روزاليس | : ماذا أفعل بدونك .. أعود غانية . |
| أوديب | : لن تستطيعي . |
| روزاليس | : أعرف . |
| أوديب | : ولا تجهدي نفسك في المحاولة . |
| روزاليس | : ما كنت لأفعل هذا ... فلقد ولدت امرأة جديدة على يديك . |
| أوديب | : هذا شرف لا أستحقه . |
| روزاليس | : بل تستحقه . |
| أوديب | : روحك الجميلة هي التي انتصرت على واقعك المهين .. فلا تلبسيني تاجا ما سعيت إليه . |
| روزاليس | : أكون لك جارية . |
| أوديب | : لا أقبلها لك . |
| روزاليس | : لا أقول زوجة . |
| أوديب | : غيري يستطيع أن يفعل . |
| روزاليس | : طاوعك قلبك . |
| أوديب | : في هذا هناؤك . |
| روزاليس | : هنائي معك . |
| أوديب | : لو أضمن لك هذا لفعلت .. ارحلي يا روزاليس.. ارحلي إلى كورنثه .. وابني فيها للصغيرات مدرسة .. واقبلي فيها الفقيرات .. وامنحيهن حكمتك التي تملكين .. أنشئيهن أمهات صالحات ... افتحي لهن قلبك وخبرتك .. عندها فقط سيفتح لك قلب رجل صالح يرى فيك خير أم لأبنائه وبناته ويعوضك بالحب والاحترام عن كل ما فات .. ارحلي .. ارحلي يا روزاليس ولا تفقئي عينيك . |
| روزاليس | : أهذا كل شيء . |
| أوديب | : نعم . |
| روزاليس | : وهل سأنجح . |
| أوديب | : ثقتي فيك كبيرة . |
| روزاليس | : ( تدمع ) سأفعل .. لأنها وصيتك . |
| أوديب | : وداعا أيتها المرأة الصالحة . |
| روزاليس | : وداعا أيها الحبيب ( تخرج روزاليس ) . |
| أوديب | : ( لسوفوكليس ) هل تظنها ستفقأ عينيها ؟ . |
| سوفوكليس | : لا يفعل ذلك إلا الجاهل ، ترى هل تعرف من هو الجاهل يا مولاي ؟ |
| أوديب | : ومن يكون . |
| سوفوكليس | : الذي ييأس و لو للحظة من رحمة زيوس . |
إظلام
| اللوحة الأخيرة | |
| النعيم | |
| المكان : جنة الأوليمب | |
| المنظر : سوفوكليس يجلس وبجواره ربات العذاب وقد تحولن إلى حوريات يقربن له ما يشتهى | |
| هيرا | : أخبرني يا سوفوكليس .. هل صدق زيوس فيما وعده ؟ |
| سوفوكليس | : أنت التي تسألين يا هيرا ؟! |
| هيرا | : ( بعد ابتسامه ) نسيت أن أقول لك شيء .. القصة الجديدة ألهمتها بالفعل لذلك الشاب الأسمر الذي كان في ثورته هناؤك .. وهي الآن في طريقها إلي الناس .. علهم يتذكرون . |
| سوفوكليس | : وهل ستروق لهم . |
| هيرا | : ستروق للبعض منهم . |
| سوفوكليس | : والبعض الآخر ؟ |
| هيرا | : سيقتلهم حقدهم . |
| سوفوكليس | : غير مأسوف عليهم . |
| هيرا | : والآن .. هل لك مطالب أخري ؟ |
| سوفوكليس | : تبق لي أمنية لم أطلبها بعد .. هل نسيتي .. لقد تمنيت مرتين فقط و تبق لي واحدة . |
| هيرا | : هذا النعيم كله .. ومازلت تريد أن تتمنى علي زيوس شيء !! |
| سوفوكليس | : هذا عهد بيني وبينه . |
| هيرا | : إذن ما هي أمنيتك الأخيرة . |
| سوفوكليس | : ( يتحرك بضعة خطوات للأمام ويرفع يده في وضع الدعاء ) أتمنى أن يسامحني زيوس .. يسامحني على جهلي بحكمته .. يسامحني على قصر نظرتي للأمور .. يسامحني على حبه الشديد للإنسان وهو ما لم أكن أستطيع إدراكه في حياتي . |
| ص.زيوس | : غفرت لك .. وهذه إرادتي الثالثة . |
| سوفوكليس | : ( بخشوع ) شكرا لك يا زيوس ... شكرا لك . |
ســتــــــــار النهاية
حســـــــام الغمــــــــري
1998